العملات الرقمية تنتفض من جديد.. دعم أمريكي وتراجع عوائد السندات يعززان صعود السوق

استعادت سوق العملات الرقمية زخمها خلال تعاملات الخميس، بعدما تضافرت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية لتدفع المستثمرين نحو الأصول المشفرة، في وقت عادت فيه شهية المخاطرة إلى الأسواق مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتصاعد التوقعات بشأن وضع إطار تنظيمي أكثر وضوحاً للقطاع.
وجاءت هذه الموجة الصعودية بالتزامن مع تحركات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفع الكونجرس نحو إقرار قانون «كلاريتي»، الذي يستهدف وضع قواعد تنظيمية أكثر وضوحاً لسوق العملات المشفرة. واعتبر المستثمرون هذه الخطوة إشارة إضافية إلى استمرار التوجه الداعم للأصول الرقمية داخل الإدارة الأمريكية.
وسجلت العملات الكبرى مكاسب لافتة، إذ ارتفع سعر إيثريوم بنسبة 10.9% إلى نحو 2318 دولاراً عند الساعة 20:08 بتوقيت جرينتش، وفق بيانات CoinMarketCap، بينما شهدت عملات أخرى ارتفاعات قوية مع اتساع نطاق الإقبال على السوق.
ولم تقتصر التحركات السياسية على التشريعات، إذ أشار ترامب أيضاً إلى إمكانية تنظيم منصة Hyperliquid، وهي بورصة لامركزية اكتسبت حضوراً متزايداً بين المتداولين، خصوصاً في سوق العقود الآجلة الدائمة.
وارتفع رمز المنصة بنحو 25% خلال 24 ساعة، بحسب بيانات CoinGecko، في انعكاس مباشر لتفاعل السوق مع التصريحات الأمريكية.
في موازاة ذلك، ساهم تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية في تحسين البيئة الاستثمارية للأصول عالية المخاطر، وهو ما انعكس على نشاط صناديق ومنتجات مرتبطة بالعملات الرقمية.
وشهد صندوق iShares Bitcoin Trust ETF، المعروف بالرمز IBIT، تداولات تجاوزت 4.5 مرة متوسط حجم التداول اليومي خلال آخر 30 يوماً، حتى قبل ظهور التطورات المرتبطة بمنصة Hyperliquid.
كما ارتفع مؤشر BVIV، الذي يتابع تقلبات بيتكوين وفق منهجية Volmex Labs، إلى أكثر من 40 نقطة، بعدما كان قد هبط إلى 35.5 نقطة يوم الجمعة، وهو أدنى مستوى له منذ بداية العام.
ويرتبط تراجع العوائد بتحركات وزارة الخزانة الأمريكية لزيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، بما يشمل آجال 20 و30 عاماً، الأمر الذي ساعد على خفض العوائد في هذا الجزء من منحنى الدين.
ويرى محللون أن انخفاض تكاليف الاقتراض والعوائد طويلة الأجل يمكن أن يعيد توجيه جزء من السيولة نحو الأصول التي تتمتع بمستويات مخاطرة أعلى، وفي مقدمتها بيتكوين والعملات المشفرة.
وقال ماكس ستودلاين، رئيس الشراكات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى Sygnum، إن صعود بيتكوين يأتي نتيجة تداخل مجموعة من المتغيرات الاقتصادية الكلية مع التطورات السياسية والتنظيمية الأمريكية.
وأوضح أن زيادة عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل تعكس محاولة لمعالجة الضغوط التي تواجه سوق السندات، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض والمخاوف المرتبطة بحجم الدين الأمريكي، فضلاً عن احتمال زيادة احتياجات التمويل لدى شركات التكنولوجيا الكبرى العاملة في قطاع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
بدوره، اعتبر جيفري كندريك، الرئيس العالمي لأبحاث الأصول الرقمية في ستاندرد تشارترد، أن التحركات الأمريكية الأخيرة في سوق الديون تمثل عاملاً داعماً لبيتكوين، متوقعاً إمكانية وصول العملة إلى مستوى 100 ألف دولار بحلول نهاية عام 2026.
وتزامنت هذه التوقعات مع موجة قوية من إغلاق مراكز البيع على المكشوف، بعدما فاجأت الارتفاعات الأخيرة عدداً كبيراً من المتداولين الذين كانوا يراهنون على استمرار تراجع السوق.
وقال توماس لي، الشريك المؤسس ورئيس الأبحاث في Fundstrat، إن التحركات التي شهدتها السوق خلال اليومين السابقين أدت إلى واحدة من أكبر موجات تصفية مراكز البيع على المكشوف في تاريخ سوق العملات الرقمية.
وكان إيثريوم من أبرز المستفيدين من هذه الموجة، بعدما سجل ارتفاعاً يقارب 19% خلال أسبوع، ليصل إلى نحو 2251 دولاراً، مسجلاً أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر وفق بيانات CoinGecko.
وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع اتسمت بالهدوء النسبي في سوق بيتكوين، التي تحركت ضمن نطاق محدود بين مستويات دعم قرب 62 ألف دولار ومقاومة حول 66 ألف دولار. وأدى هذا الاستقرار إلى تراجع نشاط المتداولين وارتفاع حالة الترقب، خصوصاً مع انخفاض مستويات التقلب.
ويرى ديفيد موريسون، كبير محللي الأسواق لدى Trade Nation، أن الحركة الجانبية الطويلة شكلت مصدر ضغط للمتداولين، قبل أن تكسر التطورات الأخيرة حالة الجمود التي سيطرت على السوق.
وبذلك تبدو سوق العملات الرقمية أمام تحول جديد في اتجاهات التداول، بعدما اجتمعت عدة عوامل في وقت واحد، من بينها تراجع عوائد السندات الأمريكية، وزيادة الإشارات السياسية الداعمة لتنظيم قطاع العملات المشفرة، وتصريحات ترامب بشأن منصات التداول، إلى جانب عمليات تصفية واسعة للمراكز المدينة.
وقد تمنح هذه التطورات السوق زخماً إضافياً خلال الفترة المقبلة، إلا أن استمرار الصعود سيظل مرتبطاً بقدرة بيتكوين وإيثريوم على الحفاظ على مستوياتها الجديدة وتحول موجة المضاربات الحالية إلى طلب استثماري أكثر استدامة.




