اقتصاد المغربالأخبارالاقتصادية

العمل عن بُعد يعزز حضور الكفاءات المغربية في سوق الشغل العالمي

لم تعد حدود سوق العمل مرتبطة بمكان وجود الموظف، بعدما فرض التحول الرقمي نموذجاً جديداً أصبح فيه الحاسوب والإنترنت كافيين لأداء العديد من الوظائف من أي مدينة أو دولة.

وفي المغرب، أخذ هذا التحول يتسارع بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل العمل عن بُعد من حل مؤقت فرضته جائحة كورونا إلى خيار مهني مستقر تعتمد عليه شركات متزايدة، فيما وجد آلاف المغاربة فرصة للعمل مع مؤسسات أجنبية دون الحاجة إلى مغادرة المملكة.

وتشير تقديرات متقاطعة لفاعلين في قطاع التوظيف، إلى جانب ملاحظات منصة Jobsquare.ma، إلى أن ما بين 30 و35% من الأطر في المغرب يعملون حالياً وفق نموذج العمل عن بُعد أو النظام الهجين، مع ارتفاع هذه النسبة بشكل أكبر في قطاعات التكنولوجيا والبرمجة والمهن الرقمية.

كما تقدر منصات متخصصة في التوظيف الدولي وشركات تقدم خدمات إدارة الموظفين عبر الحدود أن عدد المغاربة الذين يعملون لصالح شركات أجنبية من داخل المملكة يتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف شخص، سواء عبر عقود مباشرة أو من خلال شركات وسيطة تتولى إدارة الرواتب والعقود والالتزامات الإدارية، في وقت لا تزال فيه الإحصاءات الرسمية حول حجم هذه الفئة محدودة.

ولم يكن هذا التحول وليد جائحة كورونا وحدها، رغم أن الأزمة الصحية شكلت نقطة الانطلاق الأساسية له، إذ دفعت القيود المفروضة على التنقل الشركات إلى تجربة نماذج العمل عن بُعد على نطاق واسع، قبل أن تكتشف العديد من المؤسسات إمكانية الحفاظ على الإنتاجية دون الحاجة إلى وجود جميع الموظفين داخل المكاتب.

The Rise of Remote Work (2020–2035): History, Statistics, and Future Trends  - FMC Group

ومع انتهاء الجائحة، لم تعد الشركات بالكامل إلى النموذج التقليدي، بل احتفظت بجزء من هذه الممارسات، خصوصاً العمل الهجين والعمل عن بُعد في الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك.

وساعد التطور المتواصل للبنية التحتية الرقمية في المغرب على ترسيخ هذا التحول، بعدما ساهم انتشار شبكات الجيل الرابع والخامس وتوسع الألياف البصرية وتحسن جودة الإنترنت في جعل العمل من المنزل أكثر سهولة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت أدوات التعاون الرقمي مثل Microsoft Teams وZoom وSlack وNotion جزءاً من الحياة المهنية اليومية، ما أتاح للفرق العمل والتواصل وإدارة المشاريع من أماكن مختلفة دون أن يؤثر ذلك بالضرورة على سير العمليات.

وتبرز الدار البيضاء ومراكش وطنجة والرباط وسلا ضمن المدن التي تستقطب النسبة الأكبر من العاملين والباحثين عن فرص العمل عن بُعد، بينما بدأت مدن أخرى مثل أكادير وفاس ومكناس ووجدة في تسجيل حضور متزايد بفضل تحسن الاتصال بالإنترنت وتوسع الاهتمام بالوظائف الرقمية.

ويعكس ذلك تحول العمل عن بُعد إلى فرصة يمكن أن تساهم في توزيع النشاط المهني خارج المراكز الاقتصادية التقليدية، بعدما أصبح الموظف قادراً على العمل من مدينة صغيرة أو منطقة بعيدة عن مقر الشركة.

ولا يقتصر هذا النمط على موظفي الشركات المغربية، بل يشمل أيضاً مستقلين ومقاولين ذاتيين يعملون مع عملاء دوليين، وموظفين لدى شركات أجنبية، إضافة إلى مغاربة عادوا إلى المملكة مع الاحتفاظ بوظائفهم لدى شركات في أوروبا أو غيرها.

ويمنح هذا النموذج العامل المغربي فرصة الوصول إلى سوق عمل أوسع بكثير من السوق المحلية، خصوصاً بالنسبة إلى أصحاب المهارات المطلوبة عالمياً.

وتأتي الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا في مقدمة المجالات المستفيدة من هذا التحول، حيث يمكن للمبرمجين ومطوري البرمجيات وتخصصات الحوسبة السحابية وتحليل البيانات والأمن السيبراني واختبار البرمجيات وإدارة المنتجات أداء مهامهم من أي مكان تقريباً.

كما تشمل الفرص المتاحة المصممين ومختصي تجربة المستخدم والكتاب والمحررين والمسوقين الرقميين وخبراء تحسين محركات البحث وإدارة المحتوى وخدمة العملاء والمبيعات وتطوير الأعمال، إلى جانب مجالات آخذة في التوسع مثل الذكاء الاصطناعي والمساعدات الافتراضية وإدارة العمليات الرقمية والتدريب عبر الإنترنت.

remote work in Morocco | Latest News From Morocco World News

وفي المقابل، لا تزال قطاعات أخرى مرتبطة بالحضور الميداني، مثل البناء والصناعة والفنادق والمطاعم واللوجستيك والرعاية الصحية التقليدية والتجارة داخل المتاجر، أقل قابلية للاستفادة من نموذج العمل عن بُعد، بسبب طبيعة المهام التي تتطلب وجود العامل في موقع العمل.

ويكتسب المغرب أهمية متزايدة بالنسبة للشركات الأجنبية التي تبحث عن كفاءات قادرة على العمل من خارج مقارها الرئيسية، خصوصاً الشركات الأوروبية التي تستفيد من القرب الجغرافي والتقارب الزمني مع المملكة.

كما يمثل توفر الكفاءات التقنية وتكوين المهندسين والمتخصصين في المدارس والمعاهد المغربية، إلى جانب انتشار الفرنسية وتحسن مستوى الإنجليزية، عوامل تدعم تنافسية المغرب في سوق التوظيف الدولي.

وتشكل تكلفة التوظيف أيضاً عاملاً مهماً بالنسبة إلى الشركات الأجنبية، إذ تستطيع بعض المؤسسات الوصول إلى كفاءات مغربية بتكلفة أقل من تلك المسجلة في الأسواق الغربية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من مستوى مهني وتقني جيد.

كما ساهم ظهور شركات ومنصات متخصصة في التوظيف عبر الحدود في تبسيط عملية تشغيل الموظفين في بلدان أخرى، من خلال تولي إدارة العقود والرواتب والاشتراكات الاجتماعية وفق الأنظمة المحلية.

وبالنسبة إلى الموظف المغربي، فإن العمل لصالح شركة أجنبية قد يعني الحصول على دخل باليورو أو الدولار، وهو ما يزيد من جاذبية هذه الوظائف بالنظر إلى اختلاف مستويات الأجور بين الأسواق.

وتشير تقديرات سوقية إلى أن بعض الكفاءات المغربية العاملة مع شركات أجنبية يمكن أن تحصل على أجور تفوق ما تعرضه الشركات المحلية لوظائف مماثلة بمرتين إلى أربع مرات، خاصة في التخصصات التقنية والمهن التي تعاني نقصاً في الكفاءات. غير أن هذه الفوارق تختلف من حالة إلى أخرى بحسب الخبرة والتخصص ومستوى اللغة وسياسة الشركة ونظام التعاقد.

ولا يخلو العمل عن بُعد من تحديات، إذ قد يجد بعض الموظفين صعوبة في الفصل بين الحياة الشخصية والمهنية، بينما يمثل العزلة الاجتماعية وضعف التواصل المباشر مع الزملاء تحدياً آخر، خصوصاً في الوظائف التي تعتمد على العمل الجماعي.

كما يحتاج الموظف إلى قدر كبير من الانضباط وإدارة الوقت، إضافة إلى التعامل مع اختلاف التوقيت عندما تكون الشركة موجودة في أمريكا أو آسيا، فضلاً عن ضرورة الاستعداد لأي مشاكل مرتبطة بالإنترنت أو الكهرباء.

ويختلف نموذج العمل عن بُعد أيضاً بحسب طبيعة الشركة، فهناك شركات تعتمد العمل عن بُعد بشكل كامل، بينما تفضل أخرى نموذجاً هجيناً يجمع بين أيام الحضور في المكتب والعمل من المنزل.

وهناك مؤسسات تعتمد العمل المتزامن، حيث يلتزم الموظفون بساعات عمل موحدة، في حين تتجه شركات أخرى إلى العمل غير المتزامن الذي يمنح الموظف مرونة أكبر ويعتمد على التواصل الكتابي وتوثيق المهام بدلاً من الاجتماعات المستمرة.

ومع اتساع سوق الوظائف الرقمية، أصبح الحصول على وظيفة عن بُعد لدى شركة أجنبية يتطلب إعداد ملف مهني قادر على المنافسة خارج الحدود. ويبدأ ذلك من إعداد سيرة ذاتية باللغة الإنجليزية، وإنشاء حساب مهني قوي على LinkedIn، وإبراز الإنجازات والنتائج بالأرقام، إلى جانب بناء ملف أعمال يعكس الخبرة الفعلية.

ويستفيد المبرمجون من منصات مثل GitHub، بينما يمكن للمصممين عرض مشاريعهم عبر منصات متخصصة، في حين يحتاج العاملون في التسويق والكتابة والاستشارات إلى تقديم نماذج واضحة من أعمالهم السابقة.

كما أصبحت اللغة الإنجليزية عاملاً أساسياً في العديد من الوظائف الدولية، إلى جانب المهارات التقنية والشهادات المهنية التي يمكن أن تعزز فرص المرشح.

وتفرض الشركات الأجنبية في كثير من الحالات مراحل توظيف أكثر صرامة، تشمل مقابلات متعددة واختبارات تقنية وتمارين عملية، ما يجعل الاستعداد الجيد عاملاً حاسماً للحصول على الوظيفة.

ومع استمرار توسع الاقتصاد الرقمي وانتشار الذكاء الاصطناعي وتحسن البنية التحتية للاتصالات، يبدو أن العمل عن بُعد مرشح لمواصلة التوسع في المغرب خلال السنوات المقبلة.

فالمنافسة لم تعد تجري فقط بين الباحثين عن الوظائف داخل السوق المحلية، بل أصبحت تمتد إلى سوق عالمية يمكن فيها للكفاءة المغربية أن تتنافس مباشرة على فرص معروضة من شركات في أوروبا وأمريكا ومناطق أخرى.

وبذلك، يتحول العمل عن بُعد تدريجياً إلى أحد المسارات التي يمكن أن تعيد صياغة علاقة المغاربة بسوق الشغل، ليس فقط عبر توفير مرونة أكبر للموظفين، وإنما أيضاً عبر فتح قنوات جديدة للحصول على دخل وفرص مهنية من خارج الحدود، وهو ما يجعل تطوير المهارات الرقمية واللغوية وبناء الخبرة الدولية من أهم مفاتيح الاستفادة من المرحلة المقبلة.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى