الاقتصادية

الأسواق العالمية تحت ضغط السندات والنفط وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية

دخلت الأسواق المالية العالمية نهاية الأسبوع وسط موجة من التقلبات، بعدما عادت عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى الارتفاع لتجدد المخاوف بشأن تكلفة الاقتراض، في وقت تزامنت فيه التحركات المالية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتغير لهجة واشنطن تجاه الصراع مع إيران.

وفي وول ستريت، تعرضت الأسهم الأمريكية لضغوط قوية خلال تعاملات الخميس، إذ أنهى مؤشر «داو جونز» الجلسة منخفضاً بأكثر من 700 نقطة، متأثراً بارتفاع عوائد السندات مجدداً وما قد يترتب عليه من زيادة تكلفة التمويل على الشركات والمستثمرين.

وجاءت خسائر الأسهم رغم تأكيد وزارة الخزانة الأمريكية أن برنامج إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل قد يتجاوز المستويات المستهدفة التي أعلنتها في اليوم السابق، وهو ما لم يكن كافياً لتهدئة المخاوف المتعلقة بتحركات سوق الدين.

امتدت حالة الحذر إلى الأسواق الأوروبية، بعدما أظهرت بيانات اقتصادية ارتفاعاً أسرع في أسعار المنتجين بألمانيا، ما أثار مخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية في أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.

وتزامن ذلك مع مواصلة أسعار النفط ارتفاعها، الأمر الذي زاد الضغوط على أسهم الشركات والمستهلكين، ودفع غالبية مؤشرات الأسهم الأوروبية إلى الإغلاق على تراجع، بينما تمكن مؤشر «فوتسي 100» البريطاني من إنهاء الجلسة دون تغير يذكر.

وعلى الجانب الآخر، اتخذت الأسواق الآسيوية مساراً أكثر إيجابية، حيث ارتفعت الأسهم اليابانية مدعومة بمكاسب شركات التكنولوجيا وتراجع قيمة الين أمام الدولار.

وتلقت السوق اليابانية دعماً إضافياً من بيانات التجارة، التي كشفت تسجيل الصادرات والواردات خلال يوليو مستويات قياسية، في مؤشر على استمرار قوة حركة التجارة الخارجية للبلاد.

كما صعدت الأسهم في الصين وهونج كونج عقب قرار البنك المركزي الصيني الإبقاء على أسعار الفائدة على القروض دون تغيير للشهر الخامس على التوالي، بينما استفادت بورصة كوريا الجنوبية من الأداء القوي لأسهم شركات التكنولوجيا.

وفي المشهد الجيوسياسي، اتخذت الولايات المتحدة نبرة أكثر تشدداً تجاه إيران، بعدما هدد الرئيس دونالد ترامب بفرض عزلة اقتصادية واسعة على طهران والدول التي تواصل دعمها، محذراً من تداعيات اقتصادية كبيرة.

وفي السياق ذاته، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران قد يحد من الحاجة إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق ضدها، في إشارة إلى إمكانية الاعتماد بصورة أكبر على العقوبات والأدوات المالية.

لكن الصين، التي تعد من أكبر المشترين للنفط الإيراني، رفضت فكرة أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الأمريكية إلى إنهاء الصراع، بينما دعا بيسنت بكين إلى المشاركة في جهود عزل طهران اقتصادياً.

ورغم الإشارات إلى احتمال تحول واشنطن نحو تكثيف الضغوط الاقتصادية بدلاً من توسيع العمليات العسكرية، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 2%، في ظل استمرار اضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز والمخاوف من تأثيرها على إمدادات الطاقة العالمية.

وتبقى منطقة الشرق الأوسط محوراً رئيسياً لتحركات سوق النفط، خصوصاً مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل حركة الناقلات وإمدادات الخام.

في الأسواق المالية، حافظ المستثمرون على رهاناتهم بشأن عدم اتجاه الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل، وهو ما ساعد الذهب والفضة والعملات المشفرة على تحقيق مكاسب.

وفي المقابل، تحرك مؤشر الدولار قرب مستوياته الأخيرة بعدما سجل لفترة وجيزة أدنى مستوى له في نحو ثلاثة أشهر، مع استمرار الأسواق في تقييم المسار المحتمل للسياسة النقدية الأمريكية.

وتباينت مواقف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بشأن اتجاه الفائدة، إذ رأت رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو أن تحركات عوائد السندات خلال الجلسة تعكس ثقة المستثمرين في البنك المركزي، بينما اعتبر رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أن الظروف الاقتصادية الراهنة قد تبرر زيادة أسعار الفائدة.

ولم تقتصر مصادر القلق على الشرق الأوسط، إذ استهدفت أوكرانيا منشآت مرتبطة بالطاقة داخل الأراضي الروسية، في حين أشارت تقديرات إلى أن الهجمات الروسية على موانئ البحر الأسود تسببت في تعطيل شبه كامل لصادرات أوكرانيا من الحبوب والبذور الزيتية، مع دخول موسم الحصاد مرحلة مهمة.

وفي شبه الجزيرة الكورية، أطلقت كوريا الشمالية عدة صواريخ باليستية قصيرة المدى بالتزامن مع انطلاق تدريبات عسكرية مشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وذلك رغم إعلان ترامب رغبته في عقد لقاء جديد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون.

وهكذا وجدت الأسواق العالمية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، تجمع بين ارتفاع عوائد السندات، وضغوط التضخم، وصعود أسعار الطاقة، وتباين توقعات الفائدة، إلى جانب تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

وفي ظل هذا المشهد، يبقى اتجاه سوق السندات أحد أبرز المفاتيح التي ستحدد حركة الأصول خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع محاولة الإدارة الأمريكية خفض تكاليف الاقتراض، مقابل تمسك صناع السياسة النقدية بمراقبة التضخم والبيانات الاقتصادية قبل اتخاذ أي خطوة جديدة بشأن أسعار الفائدة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى