Ad
الاقتصادية

هندسة الانتباه.. كيف تحولت المنصات الرقمية من أدوات تواصل إلى بيئات معيشية؟

لم يعد الفصل بين الواقع المادي والعالم الرقمي واضحاً كما كان في السابق، فالحياة اليومية باتت تتشكل في مساحة غير مرئية تحكمها الشاشات والخوارزميات بقدر ما تحكمها الشوارع والمؤسسات.

وفي هذا السياق المتداخل، يطرح كتاب “فضاء العالم” (The Space of the World) للمفكر البريطاني نِك كولدري سؤالاً محورياً حول الجهة التي تتحكم فعلياً في هذا الفضاء الجديد الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من وجودنا المعاصر.

لم تعد منصات التواصل مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه، بل تحولت إلى بنية عميقة تؤثر في طريقة التفكير، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، بل وحتى صياغة الوعي الجمعي داخل المجتمعات الحديثة.

ضمن هذا التحول، يقدم كولدري قراءة نقدية حادة، تتساءل عمّا إذا كان بالإمكان استعادة السيطرة على هذا الفضاء من قبضة الشركات التقنية العملاقة، أم أن مسار الهيمنة الرقمية أصبح أمراً واقعاً يصعب تغييره.

ينطلق كولدري من أطروحة أساسية مفادها أن البشرية سمحت، بشكل تدريجي، بانتقال تصميم الفضاء الاجتماعي الرقمي إلى شركات خاصة تعمل وفق منطق الربح وتراكم النفوذ.

ففي المراحل الأولى للإنترنت، كان الهدف الأساسي يتمثل في تبادل المعلومات وتوسيع المعرفة، لكن هذا الدور تطور مع الزمن ليصبح الفضاء الرقمي بيئة معيشية كاملة، تُبنى فيها الهويات، وتُدار عبرها النقاشات العامة، وتتشكل من خلالها العلاقات الإنسانية والسياسية.

ويؤكد الكاتب أن هذا التحول لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة نموذج اقتصادي قائم على اقتصاد الانتباه، حيث أصبحت القيمة تُقاس بقدرة المحتوى على جذب التفاعل، بغض النظر عن أثره الاجتماعي.

ثلاث ركائز لفهم الواقع الرقم

يقوم تحليل كولدري على ثلاث أفكار مركزية تساعد في فهم طبيعة هذا التحول:

أولاً: أصبحت المنصات الرقمية جزءاً من الحياة اليومية، وليست مجرد وسيط خارجي. فالمستخدم لم يعد “يدخل” إلى هذه المنصات، بل يعيش داخلها، حيث تُوثق تفاصيل حياته وتُعاد صياغتها باستمرار داخل فضاء متصل لا ينفصل عن الواقع.

ثانياً: يخضع هذا الفضاء لمنطق خوارزمي يسعى إلى تعظيم التفاعل، ما يؤدي إلى تفضيل المحتوى المثير والانفعالي على حساب النقاشات المتوازنة، وهو ما يساهم في تعزيز الاستقطاب الاجتماعي وتآكل الثقة العامة.

ثالثاً: يرى كولدري أن هذا النمط من التنظيم الرقمي لا يهدد الديمقراطية فقط، بل يضعف أيضاً القدرة على مواجهة التحديات العالمية المشتركة، مثل التغير المناخي، نتيجة تراجع الشعور بالانتماء الجماعي.

يستعرض الكتاب أمثلة متعددة حول دور المنصات الرقمية في تضخيم الصراعات الاجتماعية، سواء عبر انتشار خطاب الكراهية أو تعميق الانقسامات داخل المجتمعات.

لكن التحليل يتجاوز هذه النتائج الظاهرة، ليصل إلى الجذر البنيوي للمشكلة، حيث يرى كولدري أن الخلل لا يكمن فقط في المحتوى المتداول، بل في التصميم ذاته الذي يقوم على اقتصاد الانتباه والمنافسة المستمرة على التفاعل.

يدعو الكاتب إلى ضرورة إعادة التفكير في البنية الأساسية للفضاء الرقمي، بحيث يتم تصميمه لخدمة الصالح العام بدلاً من تعظيم الأرباح.

ويتخيل كولدري نموذجاً بديلاً لمنصات أكثر شفافية، تضع رفاه المستخدم في المركز، وتقلل من التلاعب الخوارزمي، وتعزز التعاون بدل التنافس المستمر على الانتباه.

غير أن هذا التصور يصطدم بواقع معقد، حيث تهيمن شركات تكنولوجية كبرى تمتلك موارد هائلة ونفوذاً واسعاً، يجعل من تغيير هذا النظام أمراً شديد الصعوبة.

رغم ذلك، يشير الكتاب إلى وجود نماذج بديلة بدأت في الظهور، مثل منصات لامركزية لا تعتمد على الإعلانات أو خوارزميات التوجيه القائم على التفاعل المفرط.

هذه المنصات تمنح المستخدمين قدراً أكبر من التحكم في المحتوى الذي يتعرضون له، لكنها لا تزال محدودة الانتشار، وتحتاج إلى تحول ثقافي أوسع حتى تتمكن من المنافسة.

يفتح كولدري نقاشاً مهماً حول طبيعة المسؤولية في هذا السياق، إذ لا تقع على عاتق الشركات وحدها، بل تمتد أيضاً إلى المستخدمين الذين يواصلون استخدام هذه المنصات رغم إدراكهم لتأثيراتها السلبية.

وبذلك، تصبح العلاقة بين الطرفين جزءاً من دورة مستمرة تعيد إنتاج النظام الرقمي القائم.

ورغم قوة الطرح النقدي، إلا أن الكتاب يركز بشكل كبير على السلبيات، مع إغفال نسبي لدور وسائل التواصل في تمكين الفئات المهمشة، وتعزيز الشفافية، وتوسيع دوائر التعبير، إضافة إلى بناء شبكات تضامن عابرة للحدود.

ومع ذلك، لا ينفي هذا التقييم أهمية الأطروحة الأساسية، التي لا تهدف إلى رفض التكنولوجيا، بل إلى مساءلة طريقة تصميمها وتوجيهها.

من إدارة المحتوى إلى هندسة النظام

تكمن القيمة الأساسية للكتاب في نقل النقاش من مستوى معالجة المحتوى إلى مستوى أعمق يتعلق بهندسة النظام الرقمي نفسه.

فبدلاً من الاكتفاء بمحاربة الأخبار الزائفة أو خطاب الكراهية، يدعو كولدري إلى إعادة التفكير في البنية التي تجعل هذه الظواهر ممكنة منذ البداية.

يقدم “فضاء العالم” رؤية نقدية لعصر أصبحت فيه الحياة الاجتماعية والسياسية مشروطة بالخوارزميات والبنى الرقمية غير المرئية. وبينما يحمل الكتاب نبرة تحذيرية واضحة، فإنه يترك المجال مفتوحاً أمام إمكانية التغيير.

ويبقى السؤال الأساسي قائماً: هل يمكن إعادة تشكيل هذا الفضاء الرقمي ليخدم الإنسان، أم أنه أصبح واقعاً موازياً يفرض منطقه على العالم المادي؟

الإجابة، كما يوحي الكتاب، لا تتوقف على التكنولوجيا وحدها، بل على قدرة المجتمعات على تخيل بدائل جديدة، والإرادة في تحويلها إلى واقع قبل أن يغدو التغيير أكثر صعوبة مما هو عليه اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى