الصين تعيد رسم خريطة التصنيع العالمي وتُربك رهانات الدول النامية

لم يعد صعود الصين الصناعي مجرد قصة نجاح اقتصادية تقليدية تسير وفق القواعد التي عرفها العالم لعقود، بل تحول إلى ظاهرة استثنائية تعيد تشكيل موازين المنافسة العالمية. ففي الوقت الذي كانت فيه الدول النامية تراهن على انتقال الصناعات البسيطة إليها مع ارتقاء الصين نحو الصناعات المتقدمة، جاءت التجربة الصينية لتقلب هذه الفرضية رأسًا على عقب، وتطرح تساؤلات جديدة حول مستقبل التنمية الصناعية في الاقتصادات الصاعدة.
وتستند هذه التساؤلات إلى نظرية اقتصادية شهيرة عُرفت باسم “سرب الإوز الطائر”، وضعها الاقتصادي الياباني أكاماتسو كانامه خلال النصف الأول من القرن العشرين. وتقوم الفكرة على أن الدول التي تحقق تقدماً اقتصادياً وصناعياً تتخلى تدريجياً عن الصناعات كثيفة العمالة ومنخفضة القيمة المضافة لصالح أنشطة أكثر تطوراً، لتنتقل تلك الصناعات إلى دول أخرى أقل نمواً.
وقد جسدت اليابان هذا النموذج عندما انتقلت العديد من الصناعات التقليدية منها إلى كوريا الجنوبية وتايوان مع ارتفاع مستويات الدخل والأجور. لذلك توقع كثير من الخبراء أن تسلك الصين الطريق نفسه مع تحولها إلى قوة تكنولوجية عالمية.
غير أن المعطيات الحديثة تشير إلى مسار مختلف تماماً. فوفق دراسات أكاديمية حديثة، ما زالت الصين تحتفظ بمكانة قوية في الصناعات منخفضة ومتوسطة التقنية، بالتوازي مع توسعها السريع في القطاعات المتقدمة مثل التكنولوجيا الفائقة والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت الذي تواجه فيه دول صناعية كبرى مثل ألمانيا منافسة متزايدة من الصين في الصناعات المتقدمة، تجد العديد من الدول النامية نفسها أمام تحدٍ مختلف يتمثل في استمرار بكين بالهيمنة على قطاعات كانت تُعد تقليدياً بوابة الدخول إلى مسار التصنيع والتنمية الاقتصادية.
وتُظهر البيانات أن حصة الصين من الصادرات العالمية ارتفعت خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2024 عبر مختلف الفئات الصناعية، سواء في المنتجات منخفضة التقنية أو متوسطة وعالية التقنية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية. ويعكس ذلك قدرة الاقتصاد الصيني على المنافسة في معظم القطاعات الإنتاجية في وقت واحد.
وتتجاوز قوة الصين الصناعية حدود الصادرات النهائية، إذ أصبحت لاعباً أساسياً في سلاسل التوريد العالمية من خلال إنتاج المكونات والمواد الوسيطة التي تعتمد عليها مصانع كثيرة حول العالم. وتشير التقديرات إلى أن نحو 64 في المائة من القيمة المضافة المضمنة في صادرات الملابس والمنسوجات والمنتجات الجلدية الصادرة عن ثلاثين دولة منخفضة ومتوسطة الدخل تعود إلى مدخلات ومنتجات صينية.
ويعزو خبراء الاقتصاد هذه الظاهرة جزئياً إلى الحجم الاستثنائي للاقتصاد الصيني وقاعدته السكانية الضخمة. فالصين لا تمثل اقتصاداً متجانساً، بل تضم داخل حدودها مناطق تتمتع بمستويات دخل تضاهي الاقتصادات المتقدمة، وأخرى لا تزال أقرب إلى أوضاع الدول النامية.
وتبرز الفوارق الداخلية بوضوح بين المدن والمقاطعات الصينية. فبعض المدن الكبرى تتجاوز مستويات الدخل الفردي المسجلة في اليابان، بينما تقترب مستويات الدخل في بعض المقاطعات الأقل نمواً من مثيلاتها في دول مثل فيتنام. هذا التنوع يمنح الصين مرونة كبيرة تسمح لها بالاحتفاظ بقاعدة صناعية واسعة تمتد من الصناعات التقليدية إلى أكثر القطاعات تقدماً.

كما يساهم انتقال العمالة بين الأقاليم الصينية في الحفاظ على التوازن داخل سوق العمل، وهو عامل لا يتوافر بالسهولة نفسها بين الدول المستقلة. ورغم أن النظريات الاقتصادية كانت تفترض أن ارتفاع الأجور سيدفع الصناعات منخفضة القيمة إلى مغادرة الصين، فإن بكين اختارت نهجاً مختلفاً يقوم على تحديث هذه الصناعات بدلاً من التخلي عنها.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال السنوات الأخيرة على أهمية تطوير الصناعات التقليدية وتعزيز تنافسيتها، مؤكداً أنها لا ينبغي أن تُصنف باعتبارها قطاعات متجاوزة أو منخفضة المستوى.
ولتحقيق ذلك، تستثمر الصين بكثافة في الأتمتة والروبوتات والتقنيات الصناعية الحديثة، بما يسمح لها بخفض التكاليف ورفع الإنتاجية، والحفاظ في الوقت نفسه على حضورها القوي في الصناعات التقليدية إلى جانب ريادتها في القطاعات التكنولوجية المتقدمة.
وبهذا النهج، تبدو الصين وكأنها ترفض التخلي عن أي حلقة من حلقات سلسلة التصنيع العالمية، الأمر الذي يفرض على الدول النامية إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية والبحث عن نماذج جديدة للنمو والتصنيع في عالم تتزايد فيه المنافسة وتتغير قواعدها بوتيرة متسارعة.




