الاقتصادية

“بيكس” البرازيلي يشعل معركة جديدة على عرش المدفوعات العالمية

يشهد قطاع المدفوعات العالمي تحولاً عميقاً مع ظهور أنظمة رقمية محلية تسعى إلى تقليص الاعتماد على الشبكات المالية التقليدية التي تقودها شركات أمريكية كبرى. وبينما ظلت بطاقات الدفع التابعة لـ”فيزا” و”ماستركارد” لعقود طويلة العمود الفقري للمعاملات المالية حول العالم، بدأت دول عديدة في البحث عن بدائل تمنحها قدرة أكبر على التحكم في بنيتها المالية وبياناتها الاقتصادية.

وقد شكلت العقوبات الغربية على روسيا عام 2022 نقطة تحول بارزة في هذا المسار، بعدما تم تعليق خدمات “فيزا” و”ماستركارد” عن عدد من المؤسسات المالية الروسية، إلى جانب تقييد وصول بعض الجهات إلى نظام التحويلات الدولية “سويفت”.

وأظهرت هذه التطورات أن البنية التحتية المالية العالمية لم تعد مجرد أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت جزءاً من أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي بين الدول.

ومنذ ذلك الحين، تسارعت محاولات تطوير أنظمة دفع مستقلة في مختلف أنحاء العالم، بهدف تعزيز السيادة المالية وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، في وقت يتجه فيه الاقتصاد العالمي نحو مزيد من الرقمنة.

في أوروبا، دفعت المخاوف المرتبطة بالاستقلال المالي الرقمي إلى تسريع مشاريع تهدف إلى بناء منظومة دفع أكثر استقلالية، من بينها مشروع اليورو الرقمي وتطوير حلول دفع أوروبية قادرة على منافسة المنصات العالمية، وسط نقاشات حول ضرورة امتلاك القارة أدوات مالية لا تعتمد بشكل كامل على البنية التحتية الأمريكية.

وفي آسيا، تمكنت بعض الاقتصادات من بناء أنظمة دفع محلية واسعة الانتشار، تعتمد بشكل أساسي على الهواتف الذكية والتقنيات الرقمية، كما هو الحال مع منصات مثل “علي باي” في الصين، التي غيرت طريقة تعامل المستهلكين مع عمليات الشراء والتحويلات المالية، بعيداً عن نماذج بطاقات الائتمان التقليدية.

لكن التجربة الأكثر إثارة للاهتمام جاءت من أمريكا اللاتينية، وتحديداً من البرازيل، حيث تحول نظام الدفع الفوري “بيكس” خلال سنوات قليلة إلى نموذج عالمي في مجال المدفوعات الرقمية.

أطلق البنك المركزي البرازيلي نظام “بيكس” في نهاية عام 2020 بهدف توفير وسيلة دفع إلكترونية فورية ومتاحة على مدار الساعة لجميع المواطنين والشركات، مع التركيز على خفض التكاليف وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية.

وسرعان ما تجاوز النظام دوره كأداة تقنية ليصبح جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية اليومية في البرازيل، حيث بات يستخدم في المعاملات الصغيرة داخل المتاجر والأسواق، كما أصبح وسيلة معتمدة لدفع تكاليف الخدمات والسلع ذات القيمة المرتفعة.

ويعود الانتشار السريع لـ”بيكس” إلى سهولة استخدامه وانخفاض تكلفته، إذ لا تفرض رسوم تقريباً على الأفراد، بينما تتحمل الشركات تكاليف أقل بكثير مقارنة بالعمولات التي تفرضها شبكات بطاقات الدفع التقليدية.

هذا النموذج ساهم في جذب ملايين المستخدمين الجدد إلى النظام المالي الرسمي، خصوصاً من الفئات التي كانت تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات البنكية التقليدية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى