تعثر قانون CLARITY لا يعفي شركات العملات الرقمية من قواعد مكافحة غسل الأموال

لم يترتب على تعثر مشروع قانون CLARITY في مجلس الشيوخ الأميركي أي تغيير فوري في قواعد الامتثال المفروضة على شركات الأصول الرقمية، إذ تظل متطلبات التحقق من هوية العملاء ومكافحة غسل الأموال وفحص العقوبات والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة سارية على المؤسسات الخاضعة للقواعد الحالية.
ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه الإطار التشريعي الأميركي لتنظيم سوق الأصول الرقمية قيد النقاش، بينما تواصل شركات العملات المشفرة العمل وفق الالتزامات القائمة إلى حين صدور تشريعات جديدة تحدد بصورة أوضح نطاق الرقابة الفيدرالية على هذا القطاع.
وأوضح فرناندو كاستيلانوس، الرئيس العالمي للأصول الرقمية والبنوك الراعية لدى شركة Prove، أن مشروع قانون CLARITY كان يستهدف بصورة أساسية إعادة تنظيم هيكل سوق الأصول الرقمية وتوزيع الاختصاصات الرقابية، ولم يكن مصمماً لإلغاء متطلبات قانون السرية المصرفية BSA المطبقة بالفعل على الشركات المشمولة بالقواعد.
وبحسب كاستيلانوس، تظل الشركات مطالبة بالتأكد من هويات العملاء والمستفيدين الحقيقيين، وفحص قوائم العقوبات، وتطبيق أنظمة مكافحة غسل الأموال، ومراقبة النشاطات غير المعتادة، إلى جانب تقديم التقارير اللازمة عندما تستوفي المعاملات معايير الإبلاغ.
وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد رفض في 15 شتنبر المضي قدماً في مناقشة مشروع القانون H.R. 3633، وهو النص الذي سبق أن أقره مجلس النواب ضمن إطار قانون CLARITY لتنظيم سوق الأصول الرقمية.
وحصل التصويت الإجرائي على 49 صوتاً مؤيداً مقابل 50 صوتاً معارضاً، وهو ما لم يكن كافياً للوصول إلى عتبة الـ60 صوتاً المطلوبة لبدء مناقشة المشروع.
غير أن نتيجة التصويت لم تمثل رفضاً نهائياً لمشروع القانون، إذ أكد سبعة أعضاء ديمقراطيين في مجلس الشيوخ ممن صوتوا ضده أن المسار التشريعي لم ينته، مع استمرار المفاوضات بين أعضاء المجلس بشأن عدد من البنود، من بينها القواعد المتعلقة بالأخلاقيات والمصالح المالية للمسؤولين المنتخبين في قطاع الأصول الرقمية.
ولم يكن قد تم تحديد موعد جديد للتصويت، بينما تواصلت المفاوضات الحزبية بهدف التوصل إلى صيغة يمكن أن تحظى بالدعم الكافي.
ويرى كاستيلانوس أن تطور البنية التحتية للأصول الرقمية وسرعة تنفيذ معاملات البلوك تشين يجعلان إجراءات التحقق والمراقبة أكثر أهمية، وليس أقل.
وأوضح أن سرعة التسوية، إلى جانب صعوبة عكس بعض معاملات الأصول الرقمية بعد تنفيذها، تقلص الوقت المتاح أمام الشركات لاكتشاف الاحتيال أو الأنشطة غير المشروعة والتعامل معها.
كما شدد على أن التحقق من هوية العميل لا ينبغي أن يُعامل باعتباره إجراءً يتم مرة واحدة عند فتح الحساب، بل يجب أن يستمر تقييم المخاطر مع تغير سلوك الحساب أو نشاط المحفظة أو نمط المعاملات.
وبذلك، يمكن لتغير طبيعة استخدام الحساب أو ارتفاع مستوى النشاط أو ظهور أنماط غير معتادة أن يؤدي إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر المرتبط بالعميل.
وعند تقييم شركات الأصول الرقمية، تنظر البنوك الراعية إلى منظومة الضوابط المطبقة على امتداد دورة حياة العميل والمعاملة، وليس إلى مرحلة فتح الحساب فقط.
وتشمل هذه المراجعات عادةً التحقق من هوية الأفراد والشركات، وتحديد المستفيدين الحقيقيين، وفحص العقوبات، ومكافحة الاحتيال، وفحص المحافظ الرقمية، ومراقبة المعاملات.
ولا تكتفي المؤسسات المالية عادةً بالاطلاع على سياسات الامتثال المكتوبة، بل تبحث أيضاً عن أدلة تثبت قدرة أنظمة الرقابة على العمل فعلياً في بيئة التشغيل.
ويشير كاستيلانوس إلى أن الاعتماد على أدوات منفصلة للتحقق من الهوية وفحص المحافظ ومراقبة المعاملات قد يؤدي إلى ثغرات في الرقابة، خصوصاً عندما لا يتم دمج البيانات المختلفة ضمن عملية موحدة لتقييم المخاطر.
وكان إطار CLARITY المقترح يستهدف أيضاً إعادة توزيع بعض الاختصاصات الفيدرالية بين هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية SEC ولجنة تداول السلع الآجلة CFTC، بحيث تخضع بعض الأصول الرقمية والوسطاء في أسواق التداول الفوري لإشراف CFTC، مع استمرار اختصاص SEC في ما يتعلق بالأوراق المالية والأنشطة المرتبطة بها.
لكن هذا التقسيم المقترح للاختصاصات لم يكن يعني إلغاء بقية المتطلبات التنظيمية، إذ كان من الممكن أن تظل تراخيص تحويل الأموال على مستوى الولايات وقواعد العقوبات الفيدرالية والالتزامات المرتبطة بالمؤسسات المالية قائمة، بحسب طبيعة الخدمات والعملاء.
ولا يقتصر النقاش حول الامتثال على المنصات المركزية، إذ تمتد التساؤلات إلى المحافظ ذاتية الحفظ وخدمات التمويل اللامركزي DeFi.
وبحسب كاستيلانوس، لا يشترط التحقق من هوية مستخدمي هذه المحافظ تخزين البيانات الشخصية مباشرة على شبكات بلوك تشين عامة.
ويمكن تنفيذ إجراءات التحقق عند نقاط التفاعل التي تخضع لرقابة الشركات، مثل منصات تحويل العملات الورقية إلى أصول رقمية والعكس، وواجهات التطبيقات وغيرها من نقاط الوصول إلى الخدمات.
ويتيح الاحتفاظ بالبيانات الحساسة، مثل الأسماء ووثائق الهوية، خارج دفاتر الأستاذ العامة تقليل مخاطر كشف معلومات يصعب حذفها لاحقاً، مع تمكين الشركات الخاضعة للرقابة من الاحتفاظ بالسجلات المطلوبة ضمن أنظمة محمية.
كما لا يعني ذلك بالضرورة مشاركة جميع بيانات التحقق مع الأطراف المقابلة، إذ يمكن في بعض الحالات الاكتفاء بتأكيد أن المستخدم اجتاز إجراءات التحقق، أو أنه يسيطر على محفظة معينة، أو أنه لا يظهر ضمن قوائم العقوبات.
وكان مشروع CLARITY يتضمن أحكاماً تتعلق ببعض أنشطة التمويل اللامركزي، من بينها إعفاءات تسجيل لفئات معينة من مطوري البرمجيات ومزودي المحافظ ومشغلي المدققين، لكن تعثر المشروع أبقى هذه المسائل ضمن الإطار التنظيمي القائم، بالتوازي مع استمرار النقاش في الكونغرس والجهات الرقابية الأميركية حول كيفية التعامل مع الخدمات اللامركزية.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية، تظهر تحديات إضافية تتعلق بالتحقق من هوية الشخص أو الشركة التي تقف خلف الوكيل البرمجي، وحدود الصلاحيات التي يمتلكها لتنفيذ المعاملات.
ويرى كاستيلانوس أن المؤسسات المالية تحتاج إلى تحديد الجهة التي تتحكم في الوكيل، والطرف الذي منح الإذن بتنفيذ عملية محددة، ونطاق العمليات التي يسمح للبرنامج بإجرائها.
ويفترض هذا النموذج أن تكون صلاحيات الوكيل محددة النطاق والزمن وقابلة للسحب، مع التحقق من صلاحية التفويض عند تنفيذ المعاملة، خصوصاً عندما يستطيع البرنامج تحويل الأموال أو تنفيذ عمليات مالية دون تدخل بشري مباشر.
وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة مع دخول شركات العملات الرقمية في تطوير أدوات تتيح للبرمجيات تنفيذ عمليات مالية نيابة عن المستخدمين.
وفي يونيو، أطلقت Coinbase خدمة Coinbase for Agents، التي تتيح لوكلاء برمجيات مصرح لهم تنفيذ عمليات تشمل تداول العملات الرقمية وإدارة المحافظ والمدفوعات، وفق القواعد التي يحددها المستخدم.
كما يتيح بروتوكول x402 التابع للشركة للوكلاء دفع تكاليف مرتبطة بالبيانات والأبحاث وواجهات برمجة التطبيقات وخدمات الحوسبة دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر في كل عملية.
ومع توسع هذه الاستخدامات، يبرز تحدي بناء سجل واضح يربط بين المستخدم أو الشركة والوكيل البرمجي والمعاملة التي جرى تنفيذها.
ويشير كاستيلانوس إلى أن المؤسسات المالية التي تقدم خدمات من هذا النوع تحتاج إلى توثيق الطرف المسؤول عن المعاملة، والوكيل المستخدم، والإجراء الذي تم تفويضه، والقيود التي كانت مفروضة عند تنفيذ العملية.
ويعني ذلك انتقال أنظمة الامتثال تدريجياً من نموذج يركز على التحقق من العميل عند فتح الحساب إلى نموذج يقوم على المراقبة المستمرة لهوية صاحب الصلاحية، ونطاق التفويض، والجهة التي تعود إليها الأموال أو الحساب الذي يتحرك من خلاله وكيل الذكاء الاصطناعي.
وفي ظل استمرار تعثر قانون CLARITY، تظل شركات الأصول الرقمية مطالبة بالعمل ضمن القواعد التنظيمية القائمة، بينما يستمر النقاش الأميركي حول شكل الإطار المستقبلي للقطاع، وتوزيع الاختصاصات بين الجهات الرقابية، وكيفية إدماج التمويل اللامركزي والذكاء الاصطناعي في منظومة الامتثال المالي.




