المغرب والأرجنتين يعززان شراكتهما الاقتصادية نحو تعاون أوسع يتجاوز المبادلات التقليدية

في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، وما يرافقها من إعادة تشكيل لسلاسل الإنتاج والتوريد، تتجه العلاقات بين المغرب والأرجنتين نحو مرحلة أكثر دينامية تعكس رغبة مشتركة في توسيع مجالات التعاون وتجاوز الإطار التقليدي للمبادلات التجارية.
فقد شكلت الدورة الثامنة للجنة المشتركة المغربية الأرجنتينية، التي احتضنتها العاصمة بوينس آيرس، محطة جديدة لإعادة تأكيد الإرادة السياسية لدى البلدين من أجل الارتقاء بالشراكة الثنائية إلى مستويات أعمق وأكثر تنوعاً، تشمل قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والفلاحة والخدمات.
وخلال هذه الدورة، جدد الجانبان التأكيد على قوة الروابط التاريخية التي تجمع بين الرباط وبوينس آيرس، وعلى التزامهما بمواكبة التحولات الاقتصادية العالمية عبر تطوير تعاون يقوم على التكامل وتبادل المصالح، بدل الاقتصار على المبادلات التجارية التقليدية.
وفي هذا الإطار، عقد فؤاد يازوغ، السفير المدير العام للشؤون السياسية الدولية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، سلسلة لقاءات مع مسؤولين أرجنتينيين، تمحورت حول سبل توسيع التعاون الثنائي نحو مجالات ذات قيمة مضافة عالية، مع التشجيع على انخراط أوسع للقطاع الخاص في البلدين لاستكشاف فرص استثمار جديدة.
كما شدد الطرفان على أهمية تعزيز الإطار المؤسساتي المنظم للعلاقات الثنائية، وتكثيف الحوار السياسي والتشاور المستمر، مع التأكيد على تفعيل اتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي والفني الموقعة سنة 1978، باعتبارها الأساس القانوني للعلاقات بين الجانبين.
وترأس الجانب الأرجنتيني في أشغال هذه الدورة كل من وكيل وزارة الخارجية المكلف بالمفاوضات الاقتصادية الدولية والتكامل السفير روبرتو سيلفيا، ووكيل وزارة الخارجية المكلف بالسياسة الخارجية خوان مانويل نافارو، فيما قاد الوفد المغربي فؤاد يازوغ، الذي قدم عرضاً حول التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، مبرزاً موقع المملكة كمنصة صناعية ولوجستية واستثمارية تربط بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
وأكد الجانب المغربي استعداده لمواكبة المبادرات الرامية إلى تحويل التعاون الثنائي إلى شراكة استراتيجية مستدامة، قائمة على الاستثمار المشترك ونقل الخبرات وتطوير سلاسل قيمة مشتركة، بدل الاكتفاء بتبادل السلع.
وتشير المؤشرات التجارية الأخيرة إلى استمرار دينامية العلاقات الاقتصادية بين البلدين، رغم تسجيل بعض التراجع مقارنة بذروة سنة 2022، حين بلغت المبادلات الثنائية حوالي 1.5 مليار دولار. أما في سنة 2025، فقد استقرت عند نحو 1.09 مليار دولار، موزعة بين صادرات أرجنتينية نحو المغرب بقيمة 666.41 مليون دولار، وواردات مغربية بنحو 425.70 مليون دولار.
ويعكس هذا الأداء تحولاً تدريجياً في طبيعة العلاقات الاقتصادية، من تبادل ظرفي إلى تعاون أكثر انتظاماً قائم على سلع استراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي والصناعات الفوسفاطية والمواد الصناعية.
فعلى مستوى الصادرات المغربية نحو الأرجنتين، تواصل الأسمدة تصدر القائمة بقيمة 302.09 مليون دولار، تليها السيارات ومكوناتها بـ39.01 مليون دولار، ثم منتجات الملح والكبريت والأحجار والجير والإسمنت بـ36.41 مليون دولار، إضافة إلى المعدات الكهربائية والإلكترونية بقيمة 21.41 مليون دولار، ما يعكس اتساع قاعدة الصادرات الصناعية المغربية.
في المقابل، تتركز الصادرات الأرجنتينية نحو المغرب أساساً في الحبوب بقيمة 225.92 مليون دولار، والدهون والزيوت الحيوانية والنباتية بـ160.97 مليون دولار، إلى جانب بقايا الصناعات الغذائية وأعلاف الحيوانات ومنتجات زراعية وغذائية أخرى.
ويستند هذا التبادل إلى تكامل اقتصادي واضح بين البلدين، حيث تتميز الأرجنتين بثقلها في إنتاج الحبوب والزيوت والمنتجات الزراعية، في حين يرسخ المغرب موقعه كفاعل إقليمي في الصناعات الفوسفاطية والأسمدة والطاقات المتجددة وصناعة السيارات والطيران والخدمات اللوجستية.
ويفتح هذا التكامل آفاقاً واسعة أمام تطوير مشاريع مشتركة في مجالات الأمن الغذائي والصناعات التحويلية وسلاسل القيمة الزراعية والصناعات الكيماوية المرتبطة بالفوسفاط، بما يعزز خلق قيمة مضافة مشتركة للطرفين.
كما بدأت تظهر مؤشرات اهتمام أرجنتيني متزايد بقطاعات التكنولوجيا والصناعة الدوائية ومكونات السيارات، في ظل تنظيم بعثات اقتصادية نحو المغرب خلال السنوات الأخيرة، واهتمام شركات أرجنتينية بالسوق المغربية في مجالات البرمجيات والصيدلة وقطع الغيار، مستفيدة من موقع المملكة كبوابة نحو إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ومن المنتظر أن تنتقل هذه العلاقات في المرحلة المقبلة من منطق المبادلات التجارية إلى منطق الاستثمار المشترك، في ظل ما يوفره المغرب من بنية صناعية ولوجستية متطورة واتفاقيات تجارية واسعة، مقابل سعي الأرجنتين إلى تنويع أسواقها وجذب شركاء استراتيجيين جدد في سياق إصلاحاتها الاقتصادية.
وتحمل هذه الدينامية بعداً جيوسياسياً متنامياً، إذ يواصل المغرب تعزيز حضوره في أمريكا اللاتينية، بالتوازي مع انفتاح دول المنطقة على القارة الإفريقية. ويبرز المغرب في هذا السياق كفاعل إفريقي محوري يتمتع بالاستقرار والانفتاح، وبموقع جغرافي يجعله جسراً بين إفريقيا وباقي الأسواق الدولية.
وبين توسع المبادلات التجارية وتنامي الاستثمارات المتبادلة، تبدو العلاقات المغربية الأرجنتينية متجهة نحو مرحلة جديدة قد تؤسس لنموذج تعاون جنوب–جنوب أكثر توازناً، يعكس التحولات العميقة للاقتصاد العالمي ويعزز شراكة متعددة الأبعاد بين الرباط وبوينس آيرس.




