الدين الأمريكي يقترب من 40 تريليون دولار

في لحظة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية العالمية، يبرز المشهد المالي الأمريكي كأحد أكثر الملفات إثارة للقلق والجدل، بعدما تحول الدين العام إلى رقم ضخم يتجاوز حدود التوقعات التقليدية.
فوفق أحدث التقديرات، يرتفع الدين القومي للولايات المتحدة بنحو 86.3 ألف دولار كل ثانية، بعد طفرة سنوية تقارب 2.77 تريليون دولار، ما يعكس وتيرة غير مسبوقة في تراكم الالتزامات المالية.
هذا التصاعد الحاد لم يعد مجرد مؤشر محاسبي داخل دفاتر الخزانة الأمريكية، بل أصبح عامل ضغط عالمي، خاصة مع تجاوز الدين حاجز 39 تريليون دولار خلال مارس 2026، وهو مستوى يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الاستقرار المالي الدولي.
مع هذا المسار السريع، بات الدين الأمريكي يعكس اختلالًا هيكليًا في الموازنة الفيدرالية، خصوصًا في ظل استمرار العجز وتزايد الاعتماد على الاقتراض.
وبحسابات نصيب الفرد، تصل المسؤولية النظرية إلى نحو 289.2 ألف دولار لكل أسرة أمريكية، بينما يقترب نصيب الفرد من 114 ألف دولار، في رقم يوضح حجم التراكم التاريخي للديون.
يتوزع الدين بين مكونين رئيسيين؛ الأول هو الدين العام المملوك للأسواق والمستثمرين، ويبلغ نحو 31.4 تريليون دولار، وهو الأكثر حساسية لتغيرات الفائدة وثقة المستثمرين.
أما المكون الثاني فهو ديون داخلية حكومية تقدر بنحو 7.6 تريليون دولار، ترتبط بشكل أساسي بصناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، أي أنها التزامات داخلية بين مؤسسات الدولة.
يُعد الاحتياطي الفيدرالي أكبر حامل منفرد للدين الأمريكي بحصة تبلغ 4.4 تريليون دولار، رغم محاولات تقليص ميزانيته منذ عام 2022.
في المقابل، يهيمن المستثمرون المحليون على الحصة الأكبر من الدين بنحو 17.7 تريليون دولار، متفوقين بشكل واضح على المستثمرين الأجانب الذين تتراجع حصتهم تدريجيًا.
شهدت السنوات الأخيرة تغيرات لافتة في توزيع حيازة السندات الأمريكية. فقد تراجعت الصين إلى 683 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ1.26 تريليون دولار في 2015، ما يعكس تحولًا استراتيجيًا في إدارة احتياطياتها.
بينما تواصل اليابان تصدر قائمة الدائنين الأجانب بحيازة تقارب 1.2 تريليون دولار، محافظة على موقعها رغم تضخم الدين الأمريكي.
برزت المملكة المتحدة كلاعب رئيسي في سوق الدين الأمريكي، مع ارتفاع حيازتها إلى 889 مليار دولار مقارنة بـ205 مليارات قبل عقد، مستفيدة من دورها كمركز مالي عالمي.
كما ارتفعت حصة جزر كايمان إلى 427 مليار دولار، في مؤشر على توسع دور الصناديق الاستثمارية العابرة للحدود والملاذات المالية الخارجية.
مع ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، أصبحت تكلفة خدمة الدين عبئًا متزايدًا على الموازنة الأمريكية. فقد ارتفع متوسط الفائدة على الدين القابل للتداول إلى 3.365% في 2026، مقارنة بـ1.499% قبل خمس سنوات فقط.
وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن خدمة الدين قد تستهلك نحو 13.95% من الإنفاق الفيدرالي، ما يضغط على ميزانيات الدفاع والبنية التحتية والبرامج الاجتماعية.
تتصدر صناديق التقاعد والاستثمار قائمة الدائنين بحجم يقارب 6.6 تريليون دولار، فيما يبرز اسم وارن بافت عبر شركته “بيركشاير هاثاواي” كأحد أكبر حائزي أذون الخزانة قصيرة الأجل بنحو 340 مليار دولار.
تطور هيكلة الملكية الأجنبية للدين الأمريكي (1970-2025) | |||||||
العام | حصة الملكية المحلية | حصة الملكية الأجنبية | |||||
1970 | % 95 | 5 % | |||||
1995 | % 77 | 23 % | |||||
2025 | % 69 | 31 % | |||||
الارتفاع المستمر في الدين يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على السيولة، ما يحد من الاستثمارات الإنتاجية ويؤثر على معدلات النمو والتوظيف والأجور.
كما أن توسع الدين يرفع المخاطر النظامية، ويقلل من قدرة الحكومة على الاستجابة للأزمات الاقتصادية أو الجيوسياسية، ويزيد في الوقت نفسه من تكلفة الاقتراض على المستهلكين والشركات.
يعتمد هيكل الدين على مجموعة من الأدوات، تشمل أذون الخزانة قصيرة الأجل، والسندات متوسطة الأجل (2–10 سنوات)، والسندات طويلة الأجل (20–30 سنة)، إضافة إلى أدوات مرتبطة بالتضخم.
وتستحوذ السندات متوسطة الأجل على النصيب الأكبر بنحو 15.9 تريليون دولار، أي أكثر من نصف الدين المملوك للجمهور.
رغم المخاوف المتزايدة، لا يزال الطلب العالمي على السندات الأمريكية قويًا، حيث تتجاوز نسب التغطية في المزادات حاجز المرتين، ما يعكس استمرار الثقة في قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها.
حصص كبار الدائنين للولايات المتحدة (أبريل 2026) | ||||||||
# | فئة الدائن | القيمة (تريليون دولار) | الحصة المئوية (%) | |||||
1 | صناديق الاستثمار والتقاعد | 6.6 | 17 % | |||||
2 | المؤسسات المصرفية والوسطاء | 2.4 | 6 % | |||||
3 | المستثمرون الأفراد | 3.0 | 8 % | |||||
4 | حاملو السندات المحليون الآخرون | 5.7 | 15 % | |||||
5 | اليابان | 1.2 | 3 % | |||||
6 | المملكة المتحدة | 0.9 | 2 % | |||||
7 | الصين | 0.7 | 2 % | |||||
8 | دول أخرى | 6.5 | 17 % | |||||
9 | الاحتياطي الفيدرالي | 4.4 | 11 % | |||||
10 | صندوق الضمان الاجتماعي | 2.6 | 7 % | |||||
11 | صناديق استئمانية حكومية أخرى | 5.1 | 13 % | |||||
إجمالي الدين العام | 39 | 100 % | ||||||
تشير البيانات إلى أن نحو 33% من الدين الأمريكي سيستحق خلال عام واحد فقط، ما يفرض على الحكومة عمليات إعادة تمويل ضخمة في بيئة أسعار فائدة مرتفعة.
وخلال العام الأخير، دفعت الولايات المتحدة أكثر من 252 مليار دولار كفوائد للصناديق الحكومية، بمعدل شهري يتجاوز 21 مليار دولار.
مع اقتراب الدين الأمريكي من حاجز 40 تريليون دولار، تتجاوز القضية حدود الأرقام لتصبح اختبارًا مباشرًا لصلابة النظام المالي العالمي القائم على الثقة بالدولار.
ومع استمرار نمو الدين بمعدل يقارب تريليون دولار كل 100 يوم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية إعادة تشكيل عميقة في النظام المالي العالمي، أم استمرار لمسار قائم على تأجيل التصحيح عبر مزيد من الاقتراض؟




