Ad
الاقتصادية

الانفصال العاطفي.. سر البقاء في أسواق المال

تخيّل أنك تقف أمام حريق صغير، يمكنك إطفاؤه بكوب ماء، لكنك بدلًا من ذلك تنتزع خرطوم الحديقة وتُغرق المنزل بأكمله. هذا بالضبط ما يفعله كثير من المستثمرين حين تتعثر أسواقهم، لا يُطفئون الحريق، بل يوسّعون نطاق الكارثة بأيديهم.

علماء نفس الأسواق يُسمّون هذه الظاهرة بـ”تأثير الحصان الجامح”، وهو مفهوم مستوحى من مشهد بدوي قديم: حصان عضّته أفعى في السهل المفتوح، فلم يقف ليتفقّد جرحه، بل انطلق عدوًا لا يعرف إلى أين، حتى أجهد قلبه وسقط ميتًا. السم لم يقتله، الركض قتله.

وحين تُطبَّق هذه الصورة على الأسواق المالية، تتكشّف حقيقة مقلقة: المستثمر لا يخسر عادةً لأن السوق يُدمّره، بل لأنه يُدمّر نفسه بنفسه في لحظة ذعر لم يكن مستعدًا لها.

في أسواق المال، لا يُقاس الحدث بحجمه الفعلي، بل بمقدار الذعر الذي يطلقه في نفوس المتداولين. فالخبر السلبي هو “العضة”، أما القرارات الهستيرية المتتالية التي تعقبه فهي “الركض”، وهو ما يحوّل خسارة محدودة وقابلة للاحتواء إلى دمار مالي شامل.

خذ مثلًا ما رصده د. بريت ستينبارجر، المتخصص في علم نفس التداول، في كتابه “مدرب المتداول اليومي”؛ إذ يسرد قصة متداول يُدعى جايسون، كان يملك محفظة بقيمة 150 ألف دولار في مطلع عام 2020. حين بدأت الأسواق تتراجع مع ظهور كوفيد-19، لم تكن الضربة الأولى كارثية، إذ لم يتجاوز الهبوط 5% في مؤشر S&P 500 خلال يومين فحسب.

لكن جايسون لم يلتزم بخطته، ولم يحتوِ الجرح. سيطر عليه الذعر، فباع كل أصوله القيادية بخسارة، ثم فتح مراكز “بيع على المكشوف” مراهنًا على انهيار النظام المالي العالمي بأسره، متأثرًا بما قرأه عن الكساد العظيم بين عامي 1929 و1932.

وحين انتعش السوق سريعًا بفعل حزم التحفيز الحكومية، لم يتراجع جايسون، بل ضاعف رهاناته ضد التعافي. والنتيجة؟ محفظة تكبّدت خسائر فاقت 70% في مراكز البيع على المكشوف، ليس لأن الأسواق انهارت، بل لأن صاحبها اختار الركض حين كان عليه التوقف والتفكير.

قد يظن المرء أن هذا النوع من الذعر حكرٌ على صغار المتداولين، لكن التاريخ المالي يثبت عكس ذلك بصورة موجعة.

في مارس 2021، شهدت أسهم شركة ViacomCBS تراجعًا نسبيًا محدودًا، وكانت من أبرز أصول صندوق أركيغوس كابيتال الذي أسسه بيل هوانغ. بدلًا من تقليص مراكزه أو قبول خسارة محسوبة، أخذ هوانغ “يركض”؛ ضاعف رهاناته عبر رافعات مالية ضخمة، ظنًا منه أن الأسعار ستنعكس لصالحه قريبًا.

لكن مع مواصلة الأسهم تراجعها وطلب البنوك تغطية الخسائر، تبخّرت ثروته الشخصية البالغة نحو 20 مليار دولار، وانهار الصندوق بالكامل في غضون أيام.

قبله بعقود، كان جيسي ليفرمور أسطورة حيّة في عالم المضاربة؛ رجلٌ حقق ثروة خرافية من توقّعه الانهيار الكبير عام 1929. لكن المشكلة أن النجاح نفسه أصبح فخًا. في عام 1934، حاول ليفرمور تكرار المعادلة ذاتها في ظروف سوقية مختلفة تمامًا، رافضًا أن يُصغي إلى حقيقة بسيطة: الماضي لا يُعيد نفسه بالضرورة.

حين تحرّك السوق عكس توقعاته، فقد أعصابه وخالف قواعده الصارمة التي وضعها بنفسه، فتداول بهستيريا، يفتح صفقات ويغلقها في الوقت نفسه. وأعلن إفلاسه للمرة الأخيرة، قبل أن ينهي حياته لاحقًا.

ربما تكون قصة جيمس كوردير الأكثر إيلامًا في هذا السياق، لأنها تكشف أن الخبرة الطويلة وحدها لا تحصّن أحدًا.

كان كوردير مدير صندوق Option Seller، ومتداولًا متمرسًا تفوّق على السوق بنسبة تتراوح بين 5% و8% لأكثر من عشر سنوات متواصلة، معتمدًا على استراتيجية بيع الخيارات المكشوفة في أسواق الغاز الطبيعي التي ظلت مستقرة وهادئة لأمد بعيد.

Trading Psychology Is the Key: Master Your Mind in the Markets

وفي نوفمبر 2018، جاءت العضة: ارتفع سعر الغاز الطبيعي بأكثر من 18% في يوم واحد، ثم واصل صعوده من نحو 3.20 دولار إلى ما يتجاوز 4.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية خلال أيام قليلة.

الرقم مفاجئ، لكنه ليس نهاية العالم بالضرورة، ما لم يكن المتداول قد راهن برافعة مبالغ فيها على أن هذا السيناريو لن يحدث أبدًا. تضخّمت الالتزامات المالية على الصندوق، وعجزت المحفظة عن تلبية متطلبات الهامش، فانقلبت خسائر محدودة إلى كارثة مطلقة في أقل من أسبوع.

لم يخسر الصندوق جزءًا من أصوله البالغة 150 مليون دولار، بل خسرها بالكامل، وتحوّلت حسابات نحو 290 مستثمرًا من أرصدة موجبة إلى سالبة، أي أن هؤلاء لم يفقدوا مدخراتهم وحسب، بل باتوا مدينين بمبالغ إضافية فوق ذلك.

عشر سنوات من العوائد الثابتة، محت في سبعة أيام تداول.

الظاهرة لا تقتصر على أفراد بعينهم؛ فأحيانًا يتصرف السوق بأكمله كحصان جامح.

في السادس من مايو 2010، تراجع مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 9% في غضون دقائق، في حادثة باتت تُعرف بـ”الانهيار الخاطف”.

الشرارة كانت عملية بيع ضخمة بقيمة 4.1 مليار دولار نفّذتها شركة واحدة، لكنها كانت تحريكًا لأحجار الدومينو؛ إذ استجابت خوارزميات التداول عالي التردد بموجة بيع متسارعة، خلقت فراغًا في السيولة، ما دفع بقية المتداولين إلى التخلص من أصولهم بأي سعر كان، في “ركض جماعي” لا هدف له سوى الهروب. وبمجرد أن هدأ هذا السلوك، عادت الأسعار إلى مستوياتها تقريبًا، لكن بعد أن تكبّد كثيرون خسائر حقيقية لا رجعة فيها.

Market Update: Our Survival Guide for Investors in 2026 | Wealth  Preservation Strategies

تُجمع الدراسات المتخصصة في علم نفس الأسواق على أن الوقاية من “تأثير الحصان الجامح” تستلزم شيئًا واحدًا جوهريًا: الانفصال العاطفي عن اللحظة.

ثلاثة مبادئ تُختصر فيها الوصفة: أولها قاعدة الـ24 ساعة، أي تجنّب اتخاذ أي قرار كبير في عزّ الأزمة، لأن أسوأ القرارات تولد في أول ساعات الذعر. وثانيها التمييز الدقيق بين “السم الحقيقي” و”العضة المؤقتة”؛ هل يمسّ الخبر القيمة الجوهرية للأصل فعلًا، أم أنه ضجيج عابر؟

أما الثالث فهو الابتعاد عن “عدوى الذعر” المتمثلة في منتديات التداول وشاشات الأسعار اللحظية حين تعمّ الفوضى.

في نهاية المطاف، الفارق بين المستثمر الناجح ومن يُدمّر محفظته ليس المعرفة، ولا الخبرة، ولا حجم رأس المال. الفارق هو لحظة واحدة حاسمة: تلك اللحظة التي يقرر فيها المستثمر أن يتوقف، أن يتنفس، وأن يُفكّر قبل أن يتحرك.

الحصان الذي وقف ساكنًا بعد العضة نجا. أما الذي ركض، فقد مات بقلبه لا بسمّه. وفي الأسواق المالية، الحقيقة ذاتها.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى