اقتصاد المغربالأخبار

بنك المغرب يرصد تصاعد الضغوط الخارجية ويكشف قوة احتياطات الصرف

يواجه الاقتصاد المغربي مرحلة جديدة من الضغوط الخارجية، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتقلب أسعار الطاقة والمواد الأولية، غير أن بنك المغرب يرى أن الوضع الخارجي للمملكة لا يزال مدعوما بمستويات مريحة من احتياطات الصرف، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الخارجية.

وأبرز البنك المركزي، في تقريره الفصلي حول السياسة النقدية لشهر شتنبر 2026، أن حالة الهدوء التي أعقبت الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لم تستمر طويلا، إذ عادت التوترات الجيوسياسية إلى التصاعد مع بداية الفصل الثالث، بالتزامن مع استئناف المواجهات في منطقة الخليج وتزايد حدة النزاع الروسي الأوكراني، الأمر الذي أعاد حالة عدم اليقين إلى الأسواق الدولية ورفع الضغوط على أسعار المواد الأولية.

وفي سوق الطاقة، اتسمت أسعار النفط بتقلبات قوية، خصوصا خام برنت، نتيجة الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة عبر مضيق هرمز والأضرار التي لحقت ببعض منشآت الطاقة في الدول المنتجة. غير أن حدة هذه الضغوط بدأت تتراجع تدريجيا مع ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة، واستمرار الزيادة التدريجية في إنتاج دول تحالف “أوبك+”، إلى جانب اللجوء إلى جزء من المخزونات الاستراتيجية.

ويتوقع بنك المغرب أن يرتفع متوسط سعر برميل برنت إلى 87,2 دولارا خلال 2026، مقارنة بـ68,2 دولارا في 2025، قبل أن يتراجع إلى نحو 73,5 دولارا في 2027، وهو ما يعني استمرار انعكاسات أسعار الطاقة المرتفعة على فاتورة واردات المملكة خلال المرحلة المقبلة.

وامتدت الضغوط إلى أسواق الفوسفاط ومشتقاته، حيث يرتقب أن تبقى الأسعار مرتفعة خلال السنة الجارية بفعل زيادة أسعار المدخلات الأساسية، خاصة الكبريت والأمونياك، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد المرتبط بالتوترات الجيوسياسية، فضلا عن استمرار القيود الصينية على صادرات الأسمدة الفوسفاطية.

وفي السياق ذاته، يتوقع البنك المركزي ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميا بنسبة 2,3 في المائة خلال 2026، نتيجة ارتفاع تكاليف الأسمدة وتوالي موجات الجفاف، إضافة إلى استمرار الاضطرابات التي تؤثر على صادرات الحبوب عبر منطقة البحر الأسود.

وتظهر تداعيات هذه التطورات بشكل أوضح في المبادلات التجارية المغربية. فإلى غاية يوليوز 2026، ارتفعت الواردات بنسبة 15,9 في المائة لتصل إلى حوالي 544 مليار درهم، مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع فاتورة الطاقة التي زادت بنسبة 29,1 في المائة إلى 81,2 مليار درهم، إلى جانب قفزة واردات المواد الخام، وعلى رأسها الكبريت، بنسبة 52,2 في المائة.

في المقابل، سجلت الصادرات نموا أقل، إذ ارتفعت بنسبة 8,4 في المائة لتبلغ 299,4 مليار درهم، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري بنسبة 26,5 في المائة إلى 244,7 مليار درهم. كما تراجع معدل تغطية الواردات بالصادرات إلى 55 في المائة، مقابل 58,8 في المائة سابقا.

ورغم ارتفاع العجز التجاري، استفاد الحساب الخارجي للمغرب من الأداء الإيجابي لمجموعة من المداخيل، خصوصا الخدمات والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.

فقد ارتفع فائض الخدمات بنسبة 13,2 في المائة ليصل إلى 95,5 مليار درهم، مدعوما بارتفاع مداخيل السياحة إلى 79 مليار درهم، بزيادة 13,4 في المائة. كما سجلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج نموا بنسبة 8,1 في المائة لتبلغ 74,8 مليار درهم.

وسجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدورها تحسنا ملحوظا، إذ ارتفع صافي تدفقاتها بنسبة 58,5 في المائة إلى 29,5 مليار درهم، في وقت يواصل فيه الاقتصاد الوطني جذب تدفقات استثمارية خارجية.

وبحسب توقعات بنك المغرب، من المنتظر أن يرتفع عجز الحساب الجاري من 2,4 في المائة من الناتج الداخلي الخام في 2025 إلى 4,6 في المائة في 2026، قبل أن يتراجع إلى 3 في المائة في 2027.

وفي المقابل، واصلت احتياطات الصرف الرسمية تعزيزها، بعدما بلغت 498 مليار درهم في نهاية يوليوز 2026، بزيادة سنوية قدرها 22,7 في المائة، وهو مستوى يوفر تغطية تعادل نحو 5 أشهر و25 يوما من الواردات.

ويرتقب أن تصل هذه الاحتياطات إلى 502,8 مليار درهم بنهاية 2026، بما يعادل حوالي 5,8 أشهر من الواردات، ثم إلى 515,3 مليار درهم في نهاية 2027، رهنا بتحقق التمويلات الخارجية المرتقبة لفائدة خزينة الدولة.

وفي ما يتعلق بالأسعار، يرى بنك المغرب أن انتقال الصدمات الخارجية إلى القدرة الشرائية للأسر ظل محدودا حتى الآن، مستفيدا من الإجراءات الحكومية الرامية إلى دعم مهنيي النقل والحفاظ على أسعار غاز البوتان والكهرباء دون تغيير.

وبفضل ذلك، استقر التضخم عند 0,3 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بينما يتوقع البنك أن يبلغ متوسطه 0,7 في المائة خلال السنة بأكملها، قبل أن يرتفع إلى 1,5 في المائة في 2027.

وفي الوقت نفسه، حافظ استهلاك الأسر على ديناميته، إذ نما بنسبة 4,6 في المائة خلال الفصل الأول من 2026، مقابل 1,1 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، ليساهم بـ2,6 نقطة في النمو الاقتصادي. ويتوقع بنك المغرب استمرار وتيرة الاستهلاك في الفصلين الثاني والثالث، بدعم من تحسن المداخيل الفلاحية وتراجع التضخم.

وسجل سوق الشغل بدوره مؤشرات تحسن، بعدما تمكن الاقتصاد من إحداث حوالي 406 آلاف منصب شغل بين الفصل الثاني من 2025 والفصل الثاني من 2026، ما ساهم في خفض معدل البطالة إلى 9,5 في المائة على المستوى الوطني، رغم استمرار ارتفاعها بشكل أكبر لدى الشباب، حيث بلغت 27,2 في المائة.

ورغم هذه المؤشرات، يتوقع بنك المغرب أن تتراجع وتيرة النمو الاقتصادي تدريجيا، من 4,9 في المائة سنة 2025 إلى 4,4 في المائة خلال 2026، ثم إلى 2,9 في المائة في 2027، في ظل توقع انخفاض القيمة المضافة الفلاحية بعد الأداء القوي المسجل خلال السنة الجارية.

ويحذر البنك المركزي في المقابل من أن ميزان المخاطر المحيطة بالاقتصاد لا يزال يميل نحو احتمال تباطؤ النمو، خصوصا إذا استمرت حالة الضعف التي تطبع الاقتصاد العالمي وتصاعدت التوترات الجيوسياسية. كما يظل التضخم معرضا للارتفاع في حال استمرار أسعار الطاقة العالمية في الصعود وانتقال تداعياتها إلى باقي مكونات الأسعار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى