اقتصاد المغربالأخبارالعملات الرقميةالعملات المشفرة

دراسة ترصد مكاسب محتملة للدرهم الرقمي بزيادة 0.7% في الناتج الداخلي الخام

يتجه النقاش حول مستقبل النظام النقدي في المغرب نحو دراسة إمكانية إصدار عملة رقمية من طرف البنك المركزي، في ظل التحولات التي يشهدها القطاع المالي عالمياً وتسارع تجارب البنوك المركزية في هذا المجال.

غير أن دراسة بحثية أنجزها باحثون مرتبطون ببنك المغرب وبنك إنجلترا تشير إلى أن هذا الخيار، رغم قدرته على تحسين كفاءة المدفوعات وتخفيف بعض الضغوط المالية، لن يشكل حلاً شاملاً لتعزيز النمو الاقتصادي أو توسيع نطاق الإدماج المالي.

وتفيد نتائج الدراسة بأن اعتماد الدرهم الرقمي قد يرفع الناتج الداخلي الخام بنحو 0.7 في المائة على المدى الطويل، مع إضافة ما بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية إلى النمو السنوي خلال السنوات الأولى.

ومع ذلك، فإن تحقيق هذه المكاسب يظل رهيناً بشروط الإصدار، وطريقة إدماج العملة الجديدة في المنظومة المالية، ومدى قدرة البنوك على تأمين التمويل اللازم.

وأعد الدراسة مايكل كومهوف، الذي كان يعمل ببنك إنجلترا وقت إنجازها، إلى جانب محمد ميكو، رئيس وحدة البحث المالي ببنك المغرب، وياسين سلاوي، الاقتصادي الباحث بالمؤسسة ذاتها.

وتعتمد الورقة نموذجاً اقتصادياً مصمماً وفق خصوصيات المغرب، بهدف تقييم التأثيرات المحتملة للعملة الرقمية على الاستهلاك والاستثمار والتضخم والتمويل المصرفي والمالية العمومية.

استند الباحثون إلى نموذج شامل يضم الأسر والمقاولات والبنوك والبنك المركزي والمالية العمومية، فضلاً عن القطاع الخارجي، بما يسمح بقياس انعكاسات السياسات النقدية والصدمات الاقتصادية على مختلف المؤشرات الوطنية.

وجرى تكييف النموذج وفق معطيات الاقتصاد المغربي، من بينها واردات الطاقة التي تمثل 8.3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج التي تعادل 8.1 في المائة منه.

ومن أبرز العناصر التي يرتكز عليها النموذج التمييز بين الأسر التي تتوفر على حسابات مصرفية وإمكانية الاقتراض، وتلك التي تعتمد أساساً على النقد ولا تتمتع بالولوج نفسه إلى الخدمات البنكية.

ووفق المعطيات المعتمدة في الدراسة، تبلغ نسبة المغاربة المتوفرين على حسابات بنكية 54 في المائة، مقابل 46 في المائة لا يتوفرون عليها.

ويعتبر الباحثون أن فعالية الإنفاق لا تتوقف على مستوى الدخل فقط، بل ترتبط أيضاً بتوفر وسائل الدفع والسيولة الضرورية لإتمام المعاملات. فكلما واجهت الأسر صعوبات في الوصول إلى النقد، ارتفعت التكلفة الفعلية للاستهلاك، وهي الظاهرة التي تصفها الدراسة بـ«ضريبة النقد».

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الدرهم الرقمي باعتباره وسيلة دفع إضافية لا تدر فوائد، يجري إصدارها مقابل تمويل يوفره البنك المركزي للمؤسسات المصرفية، بهدف تحسين تداول السيولة وتوسيع الخيارات المتاحة أمام المستخدمين.

وتكشف المحاكاة أن إصدار عملة رقمية تعادل قيمتها نحو 6.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام قد يؤدي إلى تراجع حيازة الأسر للنقد بنحو 5.6 نقاط مئوية، وانخفاض الودائع المصرفية بحوالي 10.6 نقاط مئوية، وفق الفرضيات التي اعتمدها الباحثون.

وفي المقابل، يمكن أن ترتفع السيولة المتاحة فعلياً بأكثر من 1 في المائة، لتصل الزيادة إلى نحو 1.5 في المائة لدى الأسر غير المصرفية والمقاولات.

كما يُتوقع أن تتراجع التكلفة المرتبطة باستخدام النقد بنسبة 15 في المائة عند إطلاق العملة الرقمية، قبل أن يبلغ الانخفاض نحو 30 في المائة بعد مرور بضع سنوات.

ومن شأن هذا التحسن أن يدعم الاستهلاك والإنتاج، ويساهم في رفع الناتج الداخلي الخام على المدى الطويل بنحو 0.7 في المائة، مع تحقيق زيادة إضافية في النمو السنوي تتراوح بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية خلال السنوات الأولى.

غير أن هذه النتائج تظل مصحوبة بضغوط انتقالية، إذ تشير المحاكاة إلى احتمال ارتفاع التضخم الأساسي بنحو 0.4 نقطة مئوية، والتضخم العام بحوالي 0.55 نقطة، بالتزامن مع انخفاض قيمة الدرهم بنحو 0.9 في المائة.

وقد تستدعي هذه التطورات تدخلاً نقدياً مؤقتاً لاحتواء الضغوط التضخمية، من خلال رفع سعر الفائدة الحقيقي. كما قد تضطر الدولة إلى زيادة الضرائب خلال فترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات لتغطية تكاليف الدين، قبل أن يتيح انخفاض أعباء الفائدة، على المدى البعيد، تقليصها بنحو 0.6 نقطة مئوية.

وتوضح الدراسة أن تأثير العملة الرقمية على أسعار الفائدة الحقيقية يظل محدوداً في الأجل الطويل، مع انخفاض لا يتجاوز أربع نقاط أساس، وهو ما يعزوه الباحثون إلى الوزن الكبير للنقد الورقي في المغرب، الذي يمكن أن تعوضه العملة الرقمية جزئياً.

أما بالنسبة إلى القروض، فلا تفترض النتائج حدوث تراجع تلقائي في التمويل المصرفي، إذ يمكن للبنوك تعويض جزء من الودائع المتراجعة عبر التمويل المقدم من البنك المركزي أو المستثمرين الماليين، مع إمكانية ارتفاع القروض بما يعادل نحو نقطة مئوية من الناتج الداخلي الخام.

واختبر الباحثون قدرة الدرهم الرقمي على الحد من آثار 22 صدمة اقتصادية ومالية، بهدف تحديد الظروف التي يمكن أن تحقق فيها هذه العملة أكبر فائدة للاقتصاد المغربي.

وأظهرت النتائج أن أثرها يكون أكثر وضوحاً عندما تواجه البنوك صعوبات في الإقراض أو ارتفاعاً في الطلب على السيولة، إذ يمكن أن تساهم في تخفيف الضغوط على الودائع والقروض، والحد من الخسائر التي قد تطال النشاط الاقتصادي.

لكن مساهمتها تتراجع عندما ترتبط الاضطرابات بتشديد المتطلبات الرأسمالية المفروضة على المؤسسات المصرفية، كما تظل محدودة أمام الصدمات الخارجية، مثل ارتفاع أسعار النفط أو تراجع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أو زيادة أسعار الفائدة الدولية.

ويعكس ذلك محدودية قدرة العملة الرقمية على معالجة اضطرابات تنشأ خارج منظومة المدفوعات، وهو ما يجعلها أداة مساندة للاستقرار المالي، وليست وسيلة قادرة على امتصاص جميع المخاطر الاقتصادية.

وتؤكد الدراسة أن إدخال الدرهم الرقمي لن يغير الدور المركزي لسعر الفائدة في تدبير السياسة النقدية، إذ سيظل الأداة الأساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، إلى جانب التدابير الاحترازية الموجهة للحد من المخاطر التي قد تهدد النظام المالي.

ويشير الباحثون إلى أن كمية العملة الرقمية المتداولة ستتحدد، مثل النقد التقليدي، وفق الطلب عليها، ما يجعل دورها مرتبطاً أساساً بتيسير المعاملات وتلبية احتياجات الدفع، دون أن تتحول إلى أداة مستقلة لتوجيه النمو الاقتصادي.

كما تبرز النتائج أن تحسين وسائل الدفع لا يعني بالضرورة معالجة الإقصاء المالي. فالعملة الرقمية قد تتيح للأسر غير المرتبطة بالنظام المصرفي وسيلة أكثر كفاءة لإجراء المعاملات، لكنها لا تضمن حصولها على سيولة إضافية إذا لم تكن تتوفر مسبقاً على الموارد المالية اللازمة.

وبالتالي، فإن توسيع استخدام وسائل الدفع الرقمية لا يعوض الحاجة إلى تطوير الولوج إلى القروض والخدمات المصرفية، باعتبار أن قدرة البنوك على منح التمويل تظل عاملاً أساسياً في خلق النقد وتوسيع النشاط الاقتصادي.

وفي هذا السياق، تطرح الدراسة ضرورة توفير آليات موثوقة لإعادة تمويل البنوك، كما تشير إلى خيار إحداث مؤسسات مالية عمومية قادرة على إنشاء النقد الرقمي، وهو توجه يفتح المجال أمام نقاش بشأن دور المؤسسات العمومية في تطوير المنظومة النقدية.

ورغم ما توفره المحاكاة من مؤشرات بشأن الآثار المحتملة للعملة الرقمية، يشدد الباحثون على أن النتائج لا تمثل توقعات مؤكدة، بل تستند إلى فرضيات نظرية تتعلق بكفاءة الدرهم الرقمي وقدرته على تعويض النقد والودائع التقليدية.

كما لا تحدد الدراسة عدد المستخدمين المحتملين لهذه العملة أو حجم المعاملات التي يمكن أن تتم من خلالها، ما يستدعي الحذر عند تقييم المكاسب المنتظرة من اعتمادها فعلياً.

وتوضح الورقة أن خلاصاتها تعبر عن آراء معدّيها، ولا تمثل بالضرورة المواقف الرسمية لبنك المغرب أو بنك إنجلترا.

وتخلص الدراسة إلى أن الدرهم الرقمي يمكن أن يشكل أداة لتحسين كفاءة المدفوعات وتعزيز قدرة النظام المالي المغربي على مواجهة بعض الاضطرابات، لكن أثره على النمو سيظل محدوداً، كما لن يكون كافياً بمفرده لتقليص الإقصاء المالي.

ويظل تحقيق نتائجه المحتملة مرتبطاً بتصميم آليات الإصدار وضمان استقرار التمويل المصرفي، إلى جانب إصلاحات أوسع تتيح للأسر ذات الدخل المحدود الوصول الفعلي إلى الائتمان والخدمات المالية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى