الاقتصادية

عصر التضخم المرتفع يعيد ترتيب أولويات المستثمرين

لم يعد التضخم مجرد أزمة مؤقتة تنتظر الأسواق نهايتها، بل تحول إلى أحد أبرز المتغيرات التي تعيد تشكيل القرارات الاقتصادية والاستثمارية حول العالم. فبعد سنوات من الاعتقاد بأن ارتفاع الأسعار سيتراجع سريعاً مع تشديد السياسة النقدية، بدأت تتزايد المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة يتعايش فيها النمو مع تضخم أعلى من المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية.

هذا التحول يفرض تحدياً مزدوجاً على صانعي السياسة والمستثمرين في الوقت نفسه. فالبنوك المركزية مطالبة بخفض التضخم دون التضحية بالنمو، بينما يجد المستثمرون أنفسهم أمام بيئة تختلف جذرياً عن العقد الذي سبق جائحة كورونا، عندما كانت الفائدة منخفضة والسيولة وفيرة والتضخم محدوداً.

وفي هذا السياق، برز مفهوم «الهبوط الصفري» لوصف سيناريو لا يدخل فيه الاقتصاد في ركود حاد، لكنه في المقابل لا يعود أيضاً إلى مستويات التضخم المنخفض التي اعتادت عليها الأسواق.

أجبرت جائحة كورونا واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة البنوك المركزية الكبرى على الدخول في واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي خلال العقود الأخيرة.

وكانت الاستراتيجية تقوم على رفع أسعار الفائدة وتقليص الطلب بهدف إعادة التضخم تدريجياً نحو مستويات تقارب 2%.

لكن النتائج جاءت أكثر تعقيداً. فحتى بعد مرور فترة طويلة على بدء التشديد النقدي، ظلت الضغوط السعرية حاضرة في عدد من الاقتصادات الكبرى، كما أعادت التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة مخاطر التضخم إلى واجهة المشهد.

4 Sectors That Thrive When Inflation Runs Hot - The Globe and Mail

وأدى ذلك إلى تغير توقعات الأسواق، إذ لم يعد المستثمرون يفترضون أن التضخم سيعود بالضرورة وبسرعة إلى مستوياته السابقة، بل أصبح احتمال بقائه أعلى من المستهدف لفترة طويلة جزءاً من حساباتهم.

ارتفاع التضخم لا يؤثر فقط في أسعار السلع والخدمات، بل يغير أيضاً الطريقة التي ينظر بها المستثمرون إلى العائد.

فالحصول على عائد اسمي مرتفع لا يعني بالضرورة تحقيق مكسب حقيقي، إذا كان ارتفاع الأسعار يلتهم جزءاً كبيراً من القوة الشرائية للأموال.

ولهذا، أصبحت قدرة الأصل على الحفاظ على قيمته الحقيقية عاملاً أكثر أهمية في القرارات الاستثمارية، إلى جانب مستوى المخاطر والسيولة والعائد المتوقع.

وفي مثل هذه البيئة، تحظى الأصول التي يمكن أن تستفيد من ارتفاع الأسعار أو تمرر تأثير التضخم إلى المستهلكين باهتمام أكبر، في حين تواجه الاستثمارات ذات العوائد الثابتة تحديات إضافية.

رغم أن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل ضغطاً على أسواق الأسهم، تمكنت العديد من الشركات الكبرى من الحفاظ على قدرتها على تحقيق الأرباح.

ويرتبط ذلك جزئياً بقدرة الشركات التي تتمتع بعلامات تجارية قوية أو مراكز تنافسية متميزة على رفع أسعار منتجاتها وخدماتها لمواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وتصبح هذه القدرة على التسعير ميزة مهمة خلال فترات التضخم، لأنها تساعد الشركات على حماية هوامش أرباحها بدلاً من تحمل الزيادة الكاملة في تكاليف المواد والطاقة والأجور.

كما ساهمت الطفرة التي شهدتها قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم تقييمات عدد من الشركات والأسواق، رغم استمرار المخاوف المتعلقة بمستويات الفائدة وتقييمات الأسهم.

What to Invest in During High Inflation | Morningstar

في المقابل، دفعت موجة التضخم ورفع الفائدة سوق السندات إلى مواجهة واحدة من أصعب البيئات خلال السنوات الأخيرة.

فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تصبح السندات الجديدة أكثر جاذبية مقارنة بالسندات القديمة ذات العوائد المنخفضة، ما يؤدي عادة إلى انخفاض أسعار الإصدارات القائمة.

كما أن التضخم يقلل من القيمة الحقيقية للمدفوعات الثابتة التي يحصل عليها المستثمر، وهو ما يجعل العائد الاسمي أقل جاذبية عندما ترتفع الأسعار بوتيرة سريعة.

وبالتالي، وجد المستثمر في السندات نفسه أمام تأثيرين متزامنين: ارتفاع العوائد المطلوبة في السوق من جهة، وتآكل القوة الشرائية للعوائد من جهة أخرى.

رغم أن الذهب يحظى بمكانة تاريخية كأداة للتحوط من التضخم والأزمات، فإن تحركاته لا تعتمد على التضخم وحده.

فتوقعات أسعار الفائدة، وقوة الدولار، ومستوى الطلب الاستثماري، والتوترات الجيوسياسية، كلها عوامل تؤثر في اتجاه المعدن الأصفر.

ولهذا، فإن ارتفاع التضخم لا يؤدي بصورة آلية إلى ارتفاع الذهب، خصوصاً عندما ترتفع أسعار الفائدة الحقيقية وتصبح الأصول التي تحقق عائداً دورياً أكثر جاذبية للمستثمرين.

كما امتدت آثار البيئة التضخمية إلى قطاع العقارات، خصوصاً العقارات التجارية التي تأثرت بارتفاع تكلفة التمويل وتغير ظروف السوق.

فارتفاع أسعار الفائدة يجعل الاقتراض وإعادة تمويل الديون أكثر تكلفة، كما يضغط على تقييمات العقارات عندما ترتفع العوائد المطلوبة على الاستثمارات البديلة.

وفي قطاع العقارات التجارية، أضيفت إلى هذه الضغوط تغيرات في أنماط العمل والاستخدام، الأمر الذي جعل تقييم بعض الأصول أكثر تعقيداً.

وبذلك لم تعد جاذبية العقار تعتمد فقط على موقعه أو مستوى الإشغال، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بتكلفة التمويل وتوقعات أسعار الفائدة والتدفقات النقدية المستقبلية.

لم تعد معادلة التضخم مرتبطة بالطلب المحلي والسياسة النقدية فقط.

فالتوترات الجيوسياسية، وأسعار النفط، واضطرابات النقل والتجارة، وأمن سلاسل الإمداد، أصبحت جميعها عوامل قادرة على التأثير في مسار الأسعار.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما ترتفع أسعار الطاقة، لأن تأثيرها لا يقتصر على الوقود، بل يمتد إلى النقل والإنتاج والتصنيع والخدمات، ما قد يؤدي إلى انتقال موجة التضخم إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وهنا تظهر إحدى أصعب مشكلات السياسة النقدية: فرفع الفائدة يستطيع الحد من الطلب، لكنه لا يستطيع معالجة كل صدمة ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطرابات الإمدادات.

أمام هذه المعادلة، أصبحت البنوك المركزية مطالبة بتحقيق توازن بالغ الصعوبة.

فالمبالغة في التشديد النقدي قد تؤدي إلى تراجع الاستثمار والاستهلاك وارتفاع البطالة، وربما دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، فإن التخفيف السريع للسياسة النقدية قد يسمح باستمرار الضغوط السعرية، أو حتى يعيد إشعال التضخم إذا ظل الطلب قوياً.

ولهذا، أصبح صانعو السياسة النقدية يتحركون بحذر أكبر، في محاولة للحفاظ على استقرار الأسعار دون إحداث ضرر كبير بالنشاط الاقتصادي.

المشكلة الأعمق ليست فقط في مستوى التضخم الحالي، وإنما في توقعات الأفراد والشركات بشأن المستقبل.

فإذا بدأت الأسر والشركات في الاعتقاد بأن الأسعار ستستمر في الارتفاع بوتيرة مرتفعة، فقد ينعكس ذلك على قرارات الأجور والتسعير والاستثمار والاستهلاك.

ومع ترسخ هذه التوقعات، تصبح مهمة البنوك المركزية أكثر صعوبة، لأن إعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة قد تتطلب تشديداً أكبر للسياسة النقدية.

ومن هنا تكتسب فكرة «الهبوط الصفري» أهمية متزايدة، باعتبارها سيناريو يتواصل فيه النمو الاقتصادي، لكن في ظل تضخم أعلى من المستويات التي اعتادتها الأسواق خلال السنوات التي سبقت الجائحة.

في ظل هذه البيئة، لم يعد الاعتماد على نموذج استثماري واحد كافياً.

فالمستثمرون أصبحوا أكثر اهتماماً بجودة الشركات، وقدرتها على توليد تدفقات نقدية مستدامة، ومستويات مديونيتها، وقوة تسعير منتجاتها، ومدى قدرتها على مواجهة ارتفاع تكاليف التمويل.

كما أصبحت إدارة المخاطر وتنويع الأصول أكثر أهمية، خصوصاً في ظل إمكانية انتقال الأسواق بسرعة بين مراحل التضخم المرتفع والنمو القوي والتباطؤ الاقتصادي.

وفي النهاية، يبدو أن الاقتصاد العالمي يتجه إلى مرحلة لا يمكن فيها افتراض العودة السريعة إلى عالم الفائدة المنخفضة والتضخم المحدود.

وقد لا يكون «الهبوط الصفري» مجرد سيناريو مؤقت، بل تعبيراً عن تحول أوسع في طبيعة البيئة الاقتصادية العالمية، حيث يتعين على الأسواق التعايش مع تضخم أكثر ثباتاً، وفائدة أكثر تقلباً، ومخاطر جيوسياسية متزايدة.

وبالنسبة إلى المستثمر، قد لا يكون السؤال الأهم بعد الآن هو متى ينتهي التضخم، وإنما كيف يمكن بناء محفظة قادرة على حماية القيمة الحقيقية للثروة وتحقيق عوائد مستدامة في عالم أصبح فيه التضخم المرتفع جزءاً من المعادلة الاقتصادية.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى