الاقتصادية

القمح يواصل نزيفه الأسبوعي.. اضطرابات البحر الأسود تختبر قدرة الأسواق على الصمود

تعيش أسواق الحبوب العالمية حالة من الترقب مع استمرار المخاوف بشأن أمن صادرات منطقة البحر الأسود، في وقت تتجه فيه أسعار القمح في بورصة شيكاغو إلى تسجيل ثالث خسارة أسبوعية متتالية، رغم المخاطر الجيوسياسية التي تهدد حركة الإمدادات من واحدة من أهم مناطق تصدير الحبوب في العالم.

وتراجعت العقود الآجلة للقمح بشكل محدود خلال تعاملات الجمعة، بينما ارتفعت أسعار الذرة وفول الصويا، إلا أن كلا المحصولين ظل على مسار تسجيل خسائر أسبوعية طفيفة، في انتظار بيانات جديدة قد تعيد رسم اتجاه السوق.

ويترقب المستثمرون بشكل خاص تقرير وزارة الزراعة الأمريكية حول توقعات العرض والطلب على المحاصيل، والمقرر صدوره في 12 أغسطس، لما قد يحمله من مؤشرات بشأن حجم الإنتاج والمخزونات العالمية واتجاهات الاستهلاك.

وسجل عقد القمح الأكثر نشاطاً في مجلس شيكاغو للتجارة (CBOT) تراجعاً بنسبة 0.1% إلى نحو 6.30 و3/4 دولار للبوشل بحلول الساعة 06:03 بتوقيت غرينتش، بينما بلغت خسائره الأسبوعية نحو 1.3%.

ويأتي هذا الأداء بعد موجة صعود قوية دفعت أسعار القمح قبل أسبوعين إلى تجاوز حاجز 7 دولارات للبوشل، قبل أن تتراجع من تلك المستويات. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة بأكثر من 25% منذ بداية العام، مدعومة جزئياً بتداعيات الجفاف الذي أثر في حجم محصول القمح الشتوي الأمريكي.

كانت التطورات الأمنية في منطقة البحر الأسود أحد أبرز العوامل التي دفعت أسعار القمح إلى الارتفاع خلال يوليو، بعدما شنت أوكرانيا هجمات استهدفت موانئ وسفناً ومنشآت مرتبطة بصادرات الحبوب الروسية، لترد موسكو بهجمات مضادة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية كبيرة بالنسبة للسوق العالمية، إذ تعد روسيا أكبر مصدر للقمح في العالم، فيما تلعب أوكرانيا دوراً رئيسياً في إمدادات الحبوب العالمية.

وتجددت المخاوف بشأن سلامة طرق التصدير بعدما أعلن حاكم منطقة أوديسا الأوكرانية الخميس تعرض سفينة ترفع علم دولة أجنبية وتحمل شحنة من القمح لهجوم روسي، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد الطاقم واندلاع حريق على متن السفينة.

ويرى محللون أن المشكلة الأساسية لا تكمن بالضرورة في حجم الحبوب المتاحة، وإنما في القدرة على نقلها إلى الأسواق العالمية في ظل استمرار المخاطر الأمنية.

وقال دينيس فوزنسينسكي، المحلل لدى كومنولث بنك، إن كلاً من روسيا وأوكرانيا تمكنتا بالفعل من حصاد كميات كبيرة من القمح، مشيراً إلى أن السؤال الرئيسي يتمثل في قدرة البلدين على تصدير تلك الكميات بأمان.

وبحسب التحليل، لا تزال الأسواق تتعامل مع الاضطرابات الحالية باعتبارها مؤقتة، وهو ما يحد من تأثيرها على الأسعار، بالتزامن مع استمرار موسم حصاد المحاصيل في نصف الكرة الشمالي، الأمر الذي يضيف إمدادات جديدة إلى الأسواق ويضع ضغطاً نزولياً على الأسعار.

وفي سوق الذرة، ارتفعت العقود الآجلة في شيكاغو بنسبة 0.3% إلى نحو 4.63 و1/2 دولار للبوشل، لكنها بقيت على مسار تسجيل انخفاض أسبوعي يقدر بنحو 0.1%.

أما فول الصويا، فسجل ارتفاعاً بنسبة 0.5% إلى حوالي 11.83 دولار للبوشل، لكنه ظل منخفضاً بنحو 0.4% مقارنة بإغلاق الأسبوع السابق.

وحظي سوق فول الصويا باهتمام إضافي بعدما أشارت بيانات المتعاملين إلى أن الصين اشترت ما لا يقل عن 10 شحنات إضافية من فول الصويا الأمريكي، في خطوة تأتي ضمن سلسلة مشتريات جديدة قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة الشهر المقبل.

وقد تكتسب هذه المشتريات أهمية بالنسبة إلى السوق الأمريكية، خصوصاً في ظل حساسية تجارة المنتجات الزراعية بين أكبر اقتصادين في العالم تجاه التطورات التجارية والسياسية.

وفي أوروبا، ظهرت مؤشرات جديدة على احتمال تراجع إنتاج الحبوب بسبب الظروف المناخية، بعدما خفضت شركة إكسبانا المتخصصة في بيانات السلع تقديراتها لمحصول الذرة في الاتحاد الأوروبي لموسم 2026-2027 بنحو 4.6 مليون طن متري إلى 49.1 مليون طن.

وجاءت المراجعة بعد موجة من الطقس الحار والجاف التي أثرت في ظروف زراعة المحاصيل بعدد من المناطق الأوروبية.

كما خفضت الشركة تقديراتها لإنتاج القمح اللين في الاتحاد الأوروبي، ما يضيف عاملاً جديداً إلى معادلة سوق الحبوب العالمية التي تتأثر في الوقت نفسه بتطورات الطقس، وتكاليف الإنتاج، وحركة التجارة الدولية، والمخاطر الجيوسياسية.

وبينما تترقب الأسواق صدور تقرير وزارة الزراعة الأمريكية، يبقى اتجاه أسعار الحبوب مرهوناً بتوازن دقيق بين وفرة الإمدادات الجديدة من موسم الحصاد والمخاطر التي قد تعرقل وصول المحاصيل إلى الأسواق، خصوصاً من منطقة البحر الأسود.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى