اقتصاد المغرب

النقد المتداول يرتفع إلى 540 مليار درهم وسط تحديات الانتقال نحو الأداء الرقمي

يواصل المغرب مواجهة تحدي تقليص الاعتماد على المعاملات النقدية، في وقت تتزايد فيه السيولة المتداولة داخل الاقتصاد الوطني، رغم الجهود الرامية إلى توسيع استخدام وسائل الأداء الإلكتروني وتعزيز شفافية المبادلات التجارية.

ويعيد هذا الوضع تسليط الضوء على تأثير الاقتصاد غير المهيكل والعادات الاستهلاكية في استمرار انتشار التعامل النقدي.

وفي هذا السياق، أفادت معطيات من بنك المغرب بأن حجم النقد المتداول سجل ارتفاعا بنسبة 10 في المائة منذ بداية سنة 2026، ليبلغ 540 مليار درهم مع نهاية يوليوز الماضي، في مؤشر على استمرار الطلب على السيولة داخل السوق المغربية، بالتوازي مع التطور الذي تعرفه وسائل الأداء الرقمية.

وأوضحت المصادر ذاتها أن انتشار النقد يرتبط بمجموعة من المحددات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من بينها وتيرة النمو الاقتصادي، وحجم القطاع غير المهيكل، وطبيعة النظام الضريبي، ومستوى الشمول المالي، فضلا عن تفضيل شريحة واسعة من المواطنين الاحتفاظ بالأموال نقدا.

كما تساهم حالات عدم اليقين الاقتصادي في تعزيز هذا السلوك، على غرار ما شهدته المملكة خلال أزمة جائحة كوفيد-19.

تطرح الزيادة المستمرة في تداول النقد تحديات أمام السلطات النقدية والعمومية، في ظل مساعيها إلى تعزيز شفافية المعاملات التجارية، وتوسيع نطاق التصريح بالمداخيل، والحد من التهرب الضريبي.

غير أن بنك المغرب يرى أن تقليص الاعتماد على النقد لا يمكن أن يتم من خلال منع تداوله في المعاملات التجارية، بالنظر إلى ارتباط استعمال العملة النقدية بعوامل متعددة، فضلا عن كونه حقا أساسيا للمواطنين في اختيار وسيلة الأداء المناسبة لهم.

ويعني ذلك أن معالجة الظاهرة تتطلب العمل على تطوير البدائل الرقمية وتحسين جاذبيتها وسهولة استخدامها، بالتوازي مع توسيع الشمول المالي وتعزيز اندماج الأنشطة الاقتصادية في القطاع المهيكل.

بموازاة الجهود الرامية إلى تطوير الأداء الإلكتروني، يواصل بنك المغرب تتبع حاجيات الاقتصاد الوطني من النقد، من خلال مراقبة توفر السيولة وضمان استمرارية الولوج إليها عبر القنوات البنكية.

وفي هذا الإطار، تحظى الشبابيك البنكية الأوتوماتيكية بمتابعة مستمرة، باعتبارها إحدى القنوات الرئيسية التي يعتمد عليها المواطنون لسحب الأموال. وبلغ متوسط معدل جاهزية هذه الشبابيك 95 في المائة على المستوى الوطني مع نهاية يونيو 2026، وفق المعطيات التي أوردتها المصادر ذاتها.

وأكدت المصادر أن البنك المركزي، بتنسيق مع مختلف المتدخلين في القطاع المالي، تمكن من الاستجابة لطلبات التزود بالنقد في مختلف الظروف، بما في ذلك الفترات التي تعرف ارتفاعا موسميا في الطلب.

برزت الضغوط التي يمكن أن يشهدها الطلب على السيولة خلال فترة عيد الأضحى، التي امتدت من 13 إلى 27 ماي الماضي، بعدما سجلت هذه السنة مستويات تفوق المعدلات المعتادة.

وبحسب المعطيات المقدمة، بلغ صافي السحوبات من شبابيك بنك المغرب خلال هذه الفترة 27.2 مليار درهم، مقابل 21.4 مليار درهم خلال الفترة المماثلة من سنة 2024، و19.3 مليار درهم في سنة 2023.

وتبرز هذه الأرقام حجم الاحتياجات الموسمية للنقد، وما تفرضه من تنسيق بين البنك المركزي والمؤسسات البنكية لضمان تلبية الطلب، خصوصا خلال المناسبات التي ترتفع فيها النفقات الأسرية والمعاملات التجارية.

رغم الزيادة المسجلة في حجم السيولة المتداولة، فإن بنك المغرب يعتبر أن هذا التطور لا يعكس بالضرورة تراجعا في استخدام وسائل الأداء الإلكتروني، إذ يتزامن ارتفاع الطلب على النقد مع استمرار انتشار الحلول الرقمية وتوسع استخدامها.

ويعكس هذا الوضع استمرار حضور النقد بقوة في المعاملات اليومية، بالتوازي مع تطور تدريجي لوسائل الأداء الإلكترونية، وهو ما يجعل الانتقال نحو اقتصاد أقل اعتمادا على السيولة مسارا يتطلب وقتا وتغييرات في سلوك المستهلكين والفاعلين الاقتصاديين.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تسريع تطوير وسائل الأداء الرقمي وتوسيع نطاق استخدامها في المعاملات التجارية والخدماتية، بما يمكن أن يساهم تدريجيا في تخفيف الضغط على الطلب النقدي.

تعمل السلطات المعنية خلال السنوات الأخيرة على توسيع استخدام وسائل الأداء الرقمية، من خلال مجموعة من التدابير التي تستهدف تسهيل المعاملات المالية وتقليص الاعتماد على النقد، مع الحفاظ على قدرة الاقتصاد الوطني على تلبية حاجياته من السيولة.

وتشمل هذه الجهود تعزيز الشمول المالي ونشر الثقافة المالية، وتنويع وسائل الأداء الإلكتروني، ورقمنة تحويلات المساعدات الاجتماعية، إلى جانب مواصلة رقمنة أداءات الدولة وإقرار تدابير ضريبية وتنظيمية لتشجيع التعاملات الرقمية.

ولا يقتصر الرهان على تغيير وسيلة الأداء المعتمدة في المعاملات اليومية، بل يمتد إلى توجيه جزء أكبر من التدفقات المالية نحو القنوات الرسمية، بما يعزز شفافية المبادلات الاقتصادية ويدعم تمويل الأنشطة المهيكلة.

كما يُنتظر أن يساهم توسيع استخدام الأداء الإلكتروني في الحد من بعض التكاليف والمخاطر المرتبطة بتداول النقد، مع تحسين تتبع المعاملات وتسهيل اندماج الأنشطة الاقتصادية في المنظومة المالية الرسمية.

وبين استمرار الطلب المرتفع على السيولة وتوسع استخدام الوسائل الرقمية، يظل تقليص الاعتماد على «الكاش» رهينا بقدرة السياسات العمومية على معالجة العوامل التي تغذي انتشاره، وتوفير بدائل إلكترونية أكثر سهولة وملاءمة لاحتياجات المواطنين والتجار والمقاولات.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى