اقتصاد المغرب

تحويلات بأكثر من 200 مليون أورو تثير شبهات غسل أموال بين شركات مغربية وأوروبية

بدأت قضية مالية عابرة للحدود في المغرب تلفت انتباه أجهزة المراقبة البنكية، بعدما كشفت عمليات تدقيق في حسابات شركات تنشط في مجال الاستيراد والتصدير عن تحويلات بمبالغ كبيرة لم تجد، في مراحلها الأولى، تبريرات تجارية واضحة تتناسب مع قيمتها وطبيعة حركة الأموال وفق ما أفادت به جريدة الصباح .

وانطلقت التحريات من ملاحظات سجلها مسؤول بنكي بشأن حركات مالية غير اعتيادية على حساب إحدى الشركات، ما دفع إلى مراجعة العمليات المسجلة خلال عدة أشهر، قبل أن تكشف المقارنات مع بيانات مؤسسات بنكية أخرى عن وجود روابط مالية بين مجموعة من الشركات.

وأظهرت المعطيات المتاحة أن التحويلات لم تكن معزولة، بل اتخذت طابعاً متكرراً بين حسابات شركات مختلفة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقات التجارية التي تقف وراءها، ومدى توافق التدفقات المالية مع الأنشطة المصرح بها.

اتسعت دائرة التحريات بعدما أظهرت البيانات البنكية وجود ست شركات تتوفر على حسابات لدى ثلاث مجموعات بنكية، وتربط بينها عمليات تحويل متبادلة.

كما تبين أن بعض هذه الحسابات تستقبل أموالاً من الخارج، قبل أن تنتقل مبالغ منها إلى حسابات أخرى مرتبطة بالشركات نفسها، في إطار عمليات يجري تقديمها على أنها معاملات تجارية.

وأمام تزايد المؤشرات التي تستدعي التدقيق، أحيلت المعطيات إلى المصالح المختصة داخل الإدارة المركزية للبنك، حيث تخضع العمليات المرتبطة بالحسابات لمراجعة في إطار آليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتكتسي القضية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الأموال التي دخلت دائرة التحريات.

وبحسب المعطيات المتداولة، تلقت ثلاثة حسابات مرتبطة بالشركات المعنية تحويلات من الخارج تجاوز مجموع قيمتها 200 مليون أورو، أي ما يقارب 200 مليار سنتيم.

وأثارت هذه التدفقات انتباه الجهات المختصة، خصوصاً في ظل عدم ظهور معاملات تجارية واضحة تفسر بشكل كافٍ مصدر هذه الأموال والغرض من تحويلها.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن بعض الأموال التي تصل من الخارج يعاد توزيعها بين حسابات تابعة للشركات ذاتها، مع تسجيلها ضمن عمليات ذات طبيعة تجارية، وهو ما دفع إلى إخضاع هذه المعاملات لفحص أكثر دقة.

ومع تصاعد الشبهات، جرى إشعار الهيأة الوطنية للمعلومات المالية من أجل تعميق التحريات بشأن نشاط الشركات المعنية ومصادر الأموال المتداولة بينها.

وتتركز الأبحاث على مقارنة حجم التحويلات المالية مع طبيعة النشاط الاقتصادي للشركات، والتدقيق في الفواتير والصفقات والعقود التي يفترض أن تبرر العمليات، إلى جانب تحديد الأطراف المستفيدة من هذه التدفقات.

كما يجري العمل على رسم خريطة للعلاقات التجارية والمالية التي تربط الشركات الموجودة في المغرب بنظيراتها في عدد من الدول الأوروبية، خاصة أن الشركات المعنية تنشط في مجال الاستيراد والتصدير.

ولم تتوقف التحريات عند الحدود المغربية، إذ اتجهت الهيأة المختصة إلى طلب معلومات من نظيرتها الأوروبية بشأن الشركات التي أصدرت التحويلات المالية، وطبيعة أنشطتها والعلاقات التي تجمعها بالمقاولات المغربية.

ويأتي هذا التعاون في إطار الحاجة إلى تتبع مسار الأموال عبر مختلف البلدان التي مرت بها، والتحقق من طبيعة العمليات التي تقف وراء التحويلات، فضلاً عن تحديد المستفيدين الحقيقيين منها.

كما تشمل التحريات تنسيقاً مع أجهزة الرقابة المالية في الدول التي توجد بها الشركات المعنية، بهدف جمع المعطيات اللازمة حول أنشطتها وحساباتها ومعاملاتها العابرة للحدود.

وأظهرت التحريات الأولية، وفق المعطيات المتداولة، أن بعض التحويلات لا تقابلها، في ظاهرها، معاملات تجارية فعلية أو عمليات اقتصادية واضحة بين الأطراف المعنية.

وتدفع هذه المؤشرات الجهات المختصة إلى التحقق من احتمال استخدام بعض الشركات كواجهات لتمرير الأموال وإعادة تدويرها عبر معاملات تجارية صورية، بما يسمح بإخفاء مصدرها الأصلي وإضفاء مظهر قانوني على تدفقاتها.

غير أن هذه الفرضيات تظل رهينة بنتائج التحقيقات، خصوصاً أن إثبات وجود معاملات وهمية أو تحديد مصدر الأموال يتطلب فحصاً دقيقاً للوثائق والحسابات والعلاقات بين مختلف الأطراف.

وتشمل التحقيقات كذلك فرضية ارتباط بعض التدفقات المالية بعائدات أنشطة غير مشروعة، من بينها تجارة المخدرات، مع احتمال توظيف عمليات الاستيراد والتصدير كغطاء لتحريك الأموال بين المغرب ودول أوروبية.

وتبرز القضية أهمية أنظمة الرصد البنكي في اكتشاف العمليات غير الاعتيادية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحويلات ضخمة ومتكررة لا تتناسب بشكل واضح مع النشاط الاقتصادي المعلن للشركات.

وفي انتظار استكمال الأبحاث المالية والقضائية، تبقى المعطيات المتوفرة في إطار الشبهات والتحريات الجارية، فيما ستحدد نتائج التحقيقات طبيعة العمليات ومصادر الأموال ومدى وجود مخالفات أو جرائم مالية مرتبطة بالشركات المعنية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى