ارتفاع أسعار القمح يضع المزارعين والأسواق العالمية أمام ضغوط متزايدة

دخلت أسواق القمح العالمية مرحلة جديدة من التقلب، بعدما دفعت مجموعة من العوامل المناخية والجيوسياسية أسعار الحبوب إلى مستويات مرتفعة، في وقت لا يضمن فيه صعود الأسعار بالضرورة تحسن أوضاع المزارعين، بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج واستمرار حالة عدم اليقين بشأن الموسم الزراعي المقبل.
وتبرز حالة المزارع الأميركي ميريل نيلسن مثالًا على المفارقة التي يعيشها القطاع الزراعي حاليًا. فرغم ارتفاع الأسعار الآجلة للقمح المخصص لصناعة الخبز بنحو 39%، ووصولها إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، لا يزال نيلسن غير متأكد من حجم العائد الذي يمكن أن يحققه من مزرعته الممتدة على نحو 2,500 فدان، أي ما يعادل حوالي 1,010 هكتارات، في ولاية كانساس.
ولا ترتبط حالة عدم اليقين بمستوى الأسعار فقط، إذ يواجه المزارعون ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف التشغيل، في مقدمتها وقود الديزل المستخدم لتشغيل المعدات الزراعية، إلى جانب تداعيات الظروف الجوية المتقلبة.
شهدت المزرعة التي يديرها نيلسن موسمًا صعبًا، بعدما تسبب الطقس المتقلب في فقدان محصول القمح بالكامل خلال الربيع، بالتزامن مع موجة جفاف ضربت أجزاء من منطقة السهول الكبرى الجنوبية في الولايات المتحدة.
وفي ظل هذه الظروف، لا يبدو ارتفاع الأسعار كافيًا لدفع المزارعين إلى توسيع المساحات المزروعة بالقمح.
وقال نيلسن إن المزرعة لا تخطط لزيادة المساحة المخصصة للقمح، بل إن حجم الزراعة قد يكون أقل من المعتاد، مشيرًا إلى أن القرار النهائي سيعتمد بدرجة كبيرة على تطورات الطقس خلال الفترة المقبلة.
وتعكس هذه الحالة التحديات التي يواجهها المزارعون الأميركيون، حيث تتداخل تكاليف الإنتاج المرتفعة مع المخاطر المناخية والتوترات الجيوسياسية لتشكيل موسم زراعي يصعب التنبؤ بمساره.
ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على المنتجين، إذ يمكن أن تنتقل آثار ارتفاع أسعار القمح إلى مختلف حلقات سلسلة الغذاء، بدءًا من المطاحن والمخابز وصولًا إلى المطاعم ومتاجر التجزئة والمستهلك النهائي.
ويرى جواو لامبريا، استراتيجي الأسواق في شركة «فريدوم 24» ومقرها لشبونة، أن الظروف المناخية أصبحت أحد أبرز العوامل التي تستحق المتابعة في سوق القمح، خصوصًا بعدما أدت موجات الجفاف في الولايات المتحدة وأوروبا إلى تقليص المحاصيل.
وتزداد المخاوف مع التوقعات المتعلقة بظاهرة «إل نينيو»، التي قد تكون قوية خلال العام الجاري، الأمر الذي يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى توقعات الإنتاج العالمي.
وتترافق ظاهرة «إل نينيو» مع ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي، وقد تؤدي إلى تغير أنماط الطقس في مناطق مختلفة من العالم، بما ينعكس على النشاط الزراعي وإنتاج الحبوب.
ومع ذلك، فإن تأثير الظاهرة ليس سلبيًا بالضرورة على جميع المناطق الزراعية. ففي الولايات المتحدة، يمكن أن تؤدي بعض تداعيات «إل نينيو» إلى زيادة الأمطار في منطقة السهول الكبرى الجنوبية خلال فصلي الخريف والربيع.
وأشار مارك ويلش، الخبير الاقتصادي المتخصص في أبحاث تسويق الحبوب بجامعة تكساس إيه آند إم، إلى أن الولايات المتحدة سجلت خلال آخر ظاهرة قوية من «إل نينيو» في عامي 2015 و2016 مستويات قياسية في إنتاجية القمح الشتوي.
وفي الوقت الذي تراقب فيه الأسواق الأميركية تطورات الطقس، تواجه دول أخرى منتجة للقمح تحديات مماثلة.
وتشير تقديرات السوق إلى أن مخزونات القمح لدى الدول الرئيسية المصدرة وصلت إلى ثاني أدنى مستوياتها على الإطلاق، ما يقلص هامش الأمان أمام الأسواق في حال تعرض الإنتاج لمزيد من الصدمات.
وفي أستراليا، تراجعت المساحات المزروعة بالقمح بنحو 12%، في ظل المخاوف من الجفاف وارتفاع تكاليف الأسمدة، وهو ما قد يحد من قدرة الإنتاج على الاستجابة بسرعة لأي زيادة في الطلب العالمي.
وتزداد أهمية هذه التطورات في ظل اعتماد الأسواق العالمية على عدد محدود من كبار المنتجين والمصدرين، ما يجعل أي اضطراب في إحدى المناطق الزراعية الرئيسية قادرًا على التأثير في الأسعار العالمية.
إلى جانب الطقس، دخل العامل الجيوسياسي بقوة على خط سوق القمح، خصوصًا مع استمرار الهجمات الروسية على منشآت الموانئ في منطقة البحر الأسود.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية استراتيجية بالنسبة لتجارة الحبوب العالمية، إذ يمر عبرها نحو ثلث تجارة القمح الدولية، ما يجعل أي تعطيل للبنية التحتية والموانئ قادرًا على التأثير في حركة الإمدادات والأسعار.
وجاءت الهجمات بعد انتهاء مزارعي منطقة البحر الأسود من حصاد موسم قوي نسبيًا، ما أثار مخاوف بشأن قدرة المنتجين والمصدرين على نقل كميات كبيرة من القمح إلى الأسواق الخارجية.
وأوضح ويلش أن العمليات العسكرية جعلت جزءًا كبيرًا من الإمدادات غير متاح بسهولة، وهو ما ساهم في دفع الأسعار إلى الارتفاع، لكنه أشار في المقابل إلى أن إيجاد طرق بديلة للتصدير يمكن أن يؤدي إلى تخفيف جزء من هذه الضغوط.
ويقدّر لامبريا أن ما يتراوح بين 35% و50% من القمح المتأثر يمكن أن يصل إلى الأسواق، لكن عمليات النقل عبر المسارات البديلة ستكون أبطأ وأكثر تكلفة، وهو ما قد يبقي تكاليف الإمدادات مرتفعة.
وتثير هذه التطورات مخاوف بشأن انتقال ارتفاع أسعار القمح إلى أسعار الغذاء بصورة أوسع، خصوصًا إذا تزامنت اضطرابات الإمدادات مع تراجع الإنتاج في عدد من المناطق الرئيسية.
وقال دان باس، رئيس شركة «أغ ريسورس» المتخصصة في أبحاث الأسواق الزراعية، إن الجمع بين الأضرار الناجمة عن الطقس والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر في صادرات القمح قد يدفع أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات أعلى.
وبحسب باس، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة بنسبة 2.5% في أغسطس مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وهو ما يعكس استمرار الضغوط في أسواق السلع الغذائية.
ولا تقتصر أهمية ارتفاع أسعار القمح على سوق الحبوب نفسها، إذ يدخل القمح في مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية، ما يجعل أي تغير كبير في تكاليفه قابلًا للانتقال إلى المطاحن والمخابز والصناعات الغذائية ثم إلى المستهلكين.
وفي هذا السياق، يرى باس أن تداعيات ارتفاع أسعار القمح تتجاوز بكثير التطورات المرتبطة بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، مؤكدًا أن السوق العالمية تحتاج إلى زيادة المساحات المزروعة بمختلف أنواع الحبوب من أجل تعزيز الإمدادات مستقبلاً.
وتبقى معادلة سوق القمح خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في تطورات الطقس، وقدرة كبار المنتجين على الحفاظ على مستويات الإنتاج، ومدى استمرار المخاطر الجيوسياسية التي تعيق حركة التجارة.
وفي حال تزامنت الظروف المناخية الصعبة مع اضطرابات في حركة التصدير وارتفاع تكاليف الإنتاج، فقد تجد الأسواق العالمية نفسها أمام ضغوط إضافية على أسعار الحبوب والغذاء، حتى مع استمرار المزارعين في الاستفادة جزئيًا من ارتفاع الأسعار.




