سوق العملات المستقرة يدخل سباقاً جديداً عنوانه التوزيع لا الإصدار

يشهد سوق العملات المستقرة تحولاً تدريجياً في طبيعة المنافسة، بعدما بدأت ميزة إصدار عملة رقمية مرتبطة بالدولار تفقد جزءاً من أهميتها لصالح عامل أكثر ارتباطاً بالاستخدام الفعلي، يتمثل في امتلاك شبكات توزيع قادرة على إدخال هذه الأصول إلى منظومة المدفوعات والخدمات المالية اليومية.
فمع نضج تقنيات إصدار العملات المستقرة وتطور آليات إدارة الاحتياطيات، إلى جانب اتساع الأطر التنظيمية التي تفرض معايير أكثر وضوحاً على العملات المتوافقة مع القواعد، أصبح إطلاق عملة مستقرة جديدة أمراً أقل تميزاً من السابق.
وفي المقابل، باتت القيمة الحقيقية تتركز بصورة متزايدة في البنية التحتية التي تربط مُصدري العملات المستقرة بالتجار والمستهلكين والمؤسسات المالية، وتمنح هذه العملات القدرة على الانتقال من مجرد أصول رقمية يتم تداولها على شبكات البلوكتشين إلى وسائل دفع مستخدمة في المعاملات اليومية.
وتكشف تحركات السوق خلال الأسابيع الأخيرة عن هذا التحول المتسارع في نموذج المنافسة.
فقد نجحت شركة Open USD في جمع نحو 140 شركة كبرى تنشط في مجالات المدفوعات والخدمات المصرفية والتكنولوجيا ضمن ائتلاف يستهدف تطوير شبكة توزيع مشتركة، في خطوة تعكس أهمية الوصول إلى المستخدمين والمؤسسات إلى جانب امتلاك تقنية الإصدار.
وفي اتجاه مشابه، تبنت HKDAP نموذجاً يقوم على مفهوم B2B2C، بحيث يؤدي شركاء التوزيع دوراً محورياً في الوصول إلى العملاء، بدلاً من بناء العلاقة مباشرة مع المستهلك النهائي فقط.
أما World Liberty Financial، فقد اتخذت مساراً مختلفاً من خلال الحصول على ميثاق مصرفي يتيح لها دمج نشاط إصدار العملات المستقرة مع خدمات حفظ الأصول داخل كيان واحد، مع بقاء هذا النموذج خاضعاً للموافقات والرقابة التنظيمية اللازمة.
وتعكس هذه التحركات اتجاهاً واحداً يتمثل في أن المعركة المقبلة في قطاع العملات المستقرة لن تدور فقط حول من يستطيع إصدار العملة، وإنما حول الجهة القادرة على وضعها داخل شبكات مالية وتجارية واسعة تمنحها استخداماً حقيقياً ومستداماً.
ولسنوات، ارتبط تقييم العملة المستقرة بشكل أساسي بقدرتها على الحفاظ على ارتباطها بالدولار، وحجم الاحتياطيات التي تدعمها، ومستوى الثقة في الجهة المصدرة.
لكن تطور السوق بدأ يضيف معياراً جديداً إلى هذه المعادلة، وهو قدرة العملة على الوصول إلى المستخدمين من خلال منصات الدفع والبنوك والتطبيقات والخدمات التجارية.
وبهذا المعنى، فإن امتلاك شبكة توزيع واسعة قد يتحول إلى أحد أهم مصادر القوة في السوق، لأن العملة التي لا تجد طريقها إلى المدفوعات والتجارة والخدمات المالية ستظل محدودة الاستخدام، حتى لو كانت تتمتع باحتياطيات قوية وبنية تقنية متقدمة.
ورغم ظهور نماذج جديدة ومحاولات متعددة لتغيير خريطة المنافسة، لا يزال سوق العملات المستقرة شديد التركّز حول عملتي USDT التابعة لـTether وUSDC التابعة لـCircle حتى منتصف عام 2026.
وتبلغ القيمة الإجمالية للعملات من نوع USDT المتداولة نحو 187 مليار دولار، بما يمثل قرابة 59% من إجمالي سوق العملات المستقرة.
في المقابل، تصل القيمة المتداولة من USDC إلى نحو 75 مليار دولار، بحصة تقدر بحوالي 24% من السوق.
وبذلك تستحوذ العملتان معاً على ما يقارب 83% من إجمالي المعروض، ما يعكس حجم الفجوة التي يتعين على المنافسين الجدد تجاوزها إذا أرادوا انتزاع حصة مؤثرة من السوق.
ومع استمرار توسع استخدام العملات المستقرة في المدفوعات والتحويلات والخدمات المالية، يتجه مركز الثقل في القطاع تدريجياً من مرحلة «من يستطيع الإصدار؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يستطيع الوصول إلى المستخدم؟».
ومن المرجح أن تصبح الشراكات مع البنوك وشركات المدفوعات ومنصات التجارة والتكنولوجيا أحد أبرز مفاتيح النمو خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع انتقال العملات المستقرة من الاستخدام المرتبط بتداول الأصول الرقمية إلى تطبيقات مالية وتجارية أكثر اتساعاً.
وفي ظل هذا التحول، قد لا تكون العملة صاحبة أكبر احتياطي هي بالضرورة صاحبة النفوذ الأكبر، بل تلك التي تنجح في بناء شبكة توزيع واسعة تجعل استخدامها جزءاً طبيعياً من الحياة المالية اليومية.




