اقتصاد المغربالأخبارالاقتصادية

الحرب الرقمية على المغرب.. حين يصبح الوعي خط الدفاع الأول

لم تعد المعركة على صورة الدول ومكانتها تجري فقط عبر القنوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، بل انتقلت بشكل متزايد إلى الهواتف والشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي.

وفي هذا الفضاء، أصبحت المعلومة قادرة على صناعة الانطباع، والفيديو قادرًا على تغيير الرواية، والخوارزمية قادرة على منح محتوى محدود انتشاراً يفوق حجمه الحقيقي.

وفي المغرب، كما هو الحال في دول أخرى، برز خلال السنوات الماضية محتوى رقمي يقوم على تداول أخبار غير دقيقة، وإعادة نشر مقاطع خارج سياقها، واستخدام حسابات مجهولة للترويج لروايات سلبية حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولا تكمن خطورة هذه الظاهرة في منشور منفرد، وإنما في قدرة التكرار المستمر على ترسيخ الانطباع وتحويل الادعاء إلى ما يشبه الحقيقة لدى جزء من الجمهور.

فالرسالة التي تتكرر عشرات أو مئات المرات، وتظهر من حسابات مختلفة، قد تبدو للمستخدم وكأنها تعكس موقفاً واسعاً، بينما قد يكون مصدرها محدوداً للغاية. وهنا تكمن إحدى أخطر أدوات التضليل الرقمي: خلق وهم الإجماع من خلال كثافة التكرار.

من الطبيعي أن يكون داخل المجتمع المغربي نقاش واسع حول الاقتصاد والأسعار والخدمات العمومية والسياسات الحكومية، وأن تُوجه الانتقادات إلى المؤسسات والقرارات. فالنقد جزء أساسي من الحياة العامة، كما أن كشف الاختلالات يساهم في تحسين الأداء وتصحيح الأخطاء.

لكن الخط الفاصل يظهر عندما يتم الانتقال من النقد المبني على الوقائع إلى صناعة معلومات غير صحيحة أو اجتزاء الأحداث أو تضخيمها بهدف تقديم صورة شاملة ومضللة عن الواقع.

وتستفيد هذه الحملات من طبيعة منصات التواصل الاجتماعي التي تمنح المحتوى المثير للجدل والغضب فرصة أكبر للانتشار. فالمستخدم غالباً ما يتفاعل بسرعة مع العناوين الصادمة والمقاطع المثيرة، قبل أن يبحث عن مصدرها أو يتحقق من سياقها.

وبذلك، لا تصبح المشكلة فقط في وجود معلومات خاطئة، وإنما في سرعة انتشارها مقارنة بسرعة تصحيحها.

أحد أبرز التحديات التي تفرضها منصات التواصل هو الخلط بين حجم التفاعل الرقمي وحجم التأييد الشعبي الحقيقي. فانتشار وسم معين أو مقطع فيديو أو سلسلة من المنشورات لا يعني بالضرورة أن المجتمع بأكمله يتبنى الرسالة التي تحملها.

وقد تكون خوارزميات المنصات نفسها عاملاً في تضخيم هذا الانطباع، لأنها تميل إلى اقتراح المحتوى الذي يحقق تفاعلاً أكبر، حتى وإن كان هذا التفاعل ناتجاً عن الغضب أو الرفض أو الجدل.

ومن هنا، فإن قياس المزاج العام من خلال ما يظهر على مواقع التواصل فقط يمكن أن يقود إلى استنتاجات خاطئة. فالمجتمع أكثر تعقيداً من أن تختصر مواقفه في منشورات أو تعليقات أو أرقام المشاهدات.

في الحالة المغربية، تتقاطع التأثيرات الرقمية مع عناصر أخرى مرتبطة بالهوية والانتماء والتماسك الاجتماعي. فالمغاربة، رغم اختلاف مواقفهم وتعدد آرائهم، يتقاسمون رصيداً وطنياً وثقافياً تشكل عبر عقود، وهو ما يجعل محاولة فرض رواية واحدة على المجتمع مهمة شديدة الصعوبة.

وتظل “تمغربيت”، بما تحمله من خصوصية ثقافية وهوية وطنية، أحد العناصر التي تمنح المجتمع المغربي قدرة على استيعاب الاختلاف دون أن يعني ذلك غياب التوترات أو الانتقادات.

كما أن وجود مؤسسات وطنية راسخة ومكانة المؤسسة الملكية ضمن بنية الدولة المغربية يشكلان جزءاً من السياق الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند تحليل قدرة حملات رقمية على التأثير في المزاج العام.

غير أن هذه المناعة لا تعني أن المغرب بمنأى عن التضليل. فلا يوجد مجتمع محصن بالكامل أمام الأخبار الكاذبة، خصوصاً مع التطور السريع لأدوات إنتاج المحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي.

تزداد خطورة الوضع مع انتشار تقنيات التزييف الرقمي، التي باتت قادرة على إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية تبدو مقنعة للمستخدم العادي.

وهذا يعني أن التحدي لم يعد يقتصر على التحقق من صحة خبر مكتوب، وإنما أصبح يشمل التحقق من أصل الصورة والفيديو والصوت والسياق الذي ظهر فيه المحتوى.

وفي مثل هذه البيئة، لا يمكن ترك مهمة مواجهة التضليل للمؤسسات وحدها. فالمستخدم نفسه أصبح جزءاً من سلسلة إنتاج المعلومة ونشرها، إذ إن الضغط على زر المشاركة قد يحول محتوى مجهول المصدر إلى مادة يشاهدها آلاف الأشخاص خلال دقائق.

لذلك، فإن بناء مناعة رقمية يتطلب تطوير ثقافة تقوم على التحقق من المصادر، ومقارنة المعلومات، والبحث عن السياق الكامل، وعدم التعامل مع عدد المشاهدات أو المشاركات باعتباره دليلاً على صحة المحتوى.

في المقابل، تتحمل وسائل الإعلام المهنية مسؤولية متزايدة في هذه المعركة. فكلما تأخرت المعلومة الدقيقة، ازدادت المساحة التي يمكن أن تشغلها الشائعة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعلام سريع، لكنه لا يضحي بالدقة، قادر على تقديم المعلومة الموثوقة بلغة واضحة، والرد على الأخبار الكاذبة قبل أن تتحول إلى روايات راسخة.

كما أن المؤسسات مطالبة بدورها بتحسين التواصل مع المواطنين، خصوصاً خلال الأزمات والملفات التي تثير اهتماماً واسعاً. فغياب المعلومات الرسمية أو تأخرها يفتح الباب أمام مصادر مجهولة لتقديم روايات بديلة.

وقد يكون من الخطأ مواجهة التضليل عبر إنشاء تضليل مضاد أو الدخول في سباق بين الحسابات والمنشورات. فهذه المقاربة لا تعالج أصل المشكلة، بل يمكن أن تزيد من حالة الفوضى المعلوماتية.

المواجهة الأكثر فاعلية تبدأ من المعلومة الصحيحة، ومن إعلام مهني، ومؤسسات أكثر شفافية، ومواطن يمتلك أدوات التفكير النقدي.

ففي النهاية، لا يمكن منع كل خبر كاذب من الظهور، ولا يمكن حذف كل محتوى مضلل من الإنترنت. لكن يمكن تقليص تأثيره عندما يصبح المجتمع أكثر قدرة على اكتشافه وعدم منحه الانتشار الذي يبحث عنه.

لقد أصبحت المعركة على الوعي جزءاً من معارك العصر الحديث. والمجتمعات التي تنجح في حماية فضائها المعلوماتي ليست بالضرورة تلك التي لا تواجه أزمات أو انتقادات، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على التمييز بين النقد والمعلومة من جهة، والتضليل والتلاعب من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، يظل الوعي الرقمي والتفكير النقدي والثقة في المعلومة الموثوقة أهم أدوات الدفاع، لأن أقوى مواجهة للحرب الناعمة لا تبدأ من لوحة المفاتيح، وإنما من عقل المواطن وقدرته على السؤال قبل أن يصدق، والتحقق قبل أن يشارك.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى