اقتصاد المغرب

إصلاح عميق لمنظومة الصفقات العمومية بالمغرب لمواجهة تكسير الأسعار

تشهد منظومة الصفقات العمومية في المغرب دينامية إصلاحية جديدة تروم معالجة عدد من الإشكالات التي ظلت تؤثر على فعالية تنفيذ المشاريع العمومية، في مقدمتها ظاهرة “تكسير الأسعار” التي باتت تطرح تحديات متزايدة على مستوى الجودة واحترام آجال الإنجاز.

وتقود الحكومة المغربية، تحت إشراف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، سلسلة من التدابير الهادفة إلى إعادة ضبط قواعد المنافسة داخل سوق الصفقات العمومية، بما يضمن التوفيق بين الكلفة المالية وجودة الإنجاز، ويحد من الممارسات التي تؤدي إلى اختلالات في تنفيذ المشاريع.

ويأتي هذا التوجه في سياق تزايد الانتقادات الموجهة لبعض المقاولات التي تعتمد عروضاً منخفضة بشكل كبير للفوز بالصفقات، قبل أن تظهر لاحقاً انعكاسات ذلك على جودة الأشغال وتأخر تسليم المشاريع، وهو ما يفرض، وفق التوجه الحكومي، إعادة النظر في معايير اختيار المتعهدين.

وفي هذا الإطار، تعمل السلطات الوصية على تطوير إطار تنظيمي أكثر صرامة يؤسس لمنافسة قائمة على الكفاءة والقدرة الفعلية على الإنجاز، بدل التركيز فقط على الجانب المالي. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز نجاعة الطلب العمومي وحماية المال العام من مخاطر التعثر وسوء التنفيذ.

ومن بين أبرز الإجراءات المطروحة، اعتماد آلية “لائحة سوداء” تشمل المقاولات ومكاتب الدراسات التي يثبت تورطها في الإخلال بالالتزامات التعاقدية أو تكرار التعثر في تنفيذ المشاريع العمومية. وتهدف هذه الخطوة إلى رفع مستوى الانضباط المهني داخل القطاع وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.

كما تتجه الإصلاحات إلى تعزيز آليات المراقبة والتتبع عبر جميع مراحل المشاريع، بدءاً من الدراسات التقنية والتصميم، مروراً بمرحلة الإنجاز، وصولاً إلى التسليم النهائي، مع تشديد معايير تقييم العروض لضمان انتقاء الفاعلين الأكثر كفاءة وقدرة على الالتزام.

وتتزامن هذه التحركات مع استعداد المغرب لإطلاق برنامج استثماري ضخم خلال سنة 2026، ما يفرض، وفق التوجه الرسمي، تحسين حكامة الصفقات العمومية باعتبارها ركيزة أساسية لإنجاح المشاريع التنموية وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.

وفي هذا السياق، كشف وزير التجهيز والماء نزار بركة أن الغلاف المالي الإجمالي للبرامج التوقعية لصفقات البناء والأشغال العمومية برسم سنة 2026 سيبلغ حوالي 73 مليار درهم، مقابل 40 مليار درهم سنة 2019، موزعة على قطاعات استراتيجية تشمل الماء والطرق والموانئ والتجهيزات العامة.

وأوضح المسؤول الحكومي أن هذه الاعتمادات تمثل ارتفاعاً بنسبة 4% مقارنة بالسنة الماضية، وتشكل نحو 19% من إجمالي الطلبيات العمومية المرتقبة المقدرة بـ380 مليار درهم، ما يعكس توسعاً كبيراً في حجم الاستثمار العمومي بالمملكة.

وحسب التفاصيل القطاعية، سيتم تخصيص حوالي 18 مليار درهم لقطاع الماء والأرصاد الجوية، و21.8 مليار درهم لقطاع الطرق والطرق السيارة، و4 مليارات درهم لقطاع الموانئ، إضافة إلى نحو 28.8 مليار درهم لقطاع التجهيزات العامة، في توزيع يُرتقب أن يعزز دينامية قطاع البناء والأشغال العمومية ويدعم النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى