واردات المغرب من اللحوم البقرية الأوروبية تتراجع بـ71% بعد سنوات من النمو

أعادت بيانات التجارة الأوروبية رسم صورة مختلفة لمسار واردات المغرب من اللحوم البقرية، بعدما كشفت عن تراجع قوي في تدفقات المنتجات البقرية القادمة من الاتحاد الأوروبي خلال بداية سنة 2026، في وقت كانت فيه المملكة قد تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز الأسواق المستقبلة لهذه الصادرات.
وتشير أحدث معطيات المفوضية الأوروبية، المستندة إلى بيانات التجارة الخارجية لقاعدة «كومكست» التابعة ليوروستات، إلى أن صادرات اللحوم البقرية والأبقار الحية نحو المغرب لم تتجاوز 2,327 طنًا مكافئًا للذبائح خلال الربع الأول من 2026، مقابل أكثر من 8 آلاف طن خلال الفترة نفسها من 2025، مسجلة بذلك انخفاضًا حادًا بلغ 71%.
ويبرز هذا التراجع بشكل أكبر عند مقارنته بالمسار الذي سلكته المبادلات خلال السنوات السابقة، إذ كانت المشتريات المغربية من المنتجات البقرية الأوروبية تتوسع بوتيرة متسارعة، قبل أن تبدأ في التراجع منذ العام الماضي وتتعمق بشكل واضح خلال الأشهر الأولى من السنة الجارية.
تكشف الأرقام الأوروبية أن السوق المغربية عرفت توسعًا لافتًا في استيراد اللحوم البقرية من الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2024.
فقد انتقلت الكميات المصدرة إلى المغرب من 8,273 طنًا في 2022 إلى 25,612 طنًا في 2023، قبل أن تبلغ حوالي 35,395 طنًا في 2024.
وبفضل هذا النمو، وصلت حصة المغرب إلى نحو 3.5% من إجمالي صادرات اللحوم البقرية الأوروبية في 2024، لتحتل المملكة المرتبة الرابعة عالميًا ضمن أهم وجهات هذه الصادرات، خلف المملكة المتحدة وتركيا وإسرائيل.
غير أن الاتجاه تغير خلال 2025، عندما انخفضت الكميات الموجهة إلى المغرب إلى حوالي 24,765 طنًا على مدار السنة.
ومع بداية 2026، اتخذ التراجع منحى أكثر حدة، إذ لم تعد السوق المغربية تستحوذ سوى على حوالي 1.1% من إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي خلال الربع الأول.
وتعكس هذه الأرقام تغيرًا واضحًا في موقع المغرب داخل سوق صادرات اللحوم البقرية الأوروبية، بعدما كان الطلب المغربي يمثل خلال السنوات الماضية عنصرًا مهمًا في نمو الصادرات نحو الأسواق الخارجية.
ويأتي الانخفاض المسجل في المغرب ضمن سياق أوسع يشهده قطاع تصدير اللحوم البقرية في الاتحاد الأوروبي، حيث تراجعت الكميات الإجمالية المصدرة خلال الربع الأول من 2026.
وبلغ إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي حوالي 203,757 طنًا مكافئًا للذبائح، بانخفاض نسبته 9.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، باستثناء الدهون.
وظلت المملكة المتحدة أكبر وجهة للصادرات الأوروبية، باستحواذها على 36.2% من الإجمالي، أي ما يعادل نحو 73,853 طنًا، رغم انخفاض وارداتها بنسبة 10.8%.
أما تركيا فجاءت في المرتبة الثانية بحوالي 21,668 طنًا، مسجلة ارتفاعًا قويًا بنسبة 32.9%، تلتها إسرائيل بـ9,411 طنًا، ثم الجزائر بـ8,952 طنًا، وغانا بـ8,205 أطنان.
كما شملت قائمة الوجهات الرئيسية سويسرا بحوالي 7,444 طنًا وساحل العاج بـ7,419 طنًا.
وفي الوقت الذي انخفضت فيه الصادرات نحو عدد من الأسواق، من بينها البوسنة والهرسك وكوسوفو وكندا، ارتفعت الشحنات الأوروبية باتجاه اليابان وأوكرانيا، ما يعكس تفاوتًا واضحًا في تطورات الطلب الخارجي على اللحوم البقرية الأوروبية.
لم يقتصر الانكماش على اللحوم البقرية، بل امتد أيضًا إلى صادرات الأبقار الحية.
فقد بلغت الكميات المصدرة من الأبقار الحية حوالي 26,650 طنًا مكافئًا للذبائح خلال الربع الأول من 2026، مقابل 41,077 طنًا خلال الفترة نفسها من 2025.
وبالمقارنة مع الربع الأول من 2023، تبدو وتيرة الانخفاض أكثر وضوحًا، بعدما كانت الصادرات قد بلغت آنذاك حوالي 57,719 طنًا.
ورغم تقلص الكميات، سجلت القيمة الإجمالية للصادرات ارتفاعًا، إذ وصلت إلى نحو 1.311 مليار يورو، مقابل 1.267 مليار يورو قبل عام.
ويعكس ذلك تأثير الارتفاع القوي في أسعار اللحوم البقرية، الذي سمح للمنتجين والمصدرين الأوروبيين بتعويض جزء من أثر انخفاض الكميات المباعة في الأسواق الخارجية.
وفي تطور آخر، بدأت أسعار اللحوم البقرية في الاتحاد الأوروبي تظهر إشارات على دخول مرحلة تصحيح، بعد فترة طويلة من الارتفاع.
وبلغ متوسط أسعار فئات A/C/Z R3 نحو 641.2 يورو لكل 100 كيلوغرام خلال الأسبوع الثامن والعشرين، مسجلًا انخفاضًا بنسبة 0.5% خلال أسبوع، و2.2% في ظرف شهر، و4.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وكانت أسعار الثيران الأكثر تراجعًا على أساس سنوي، بانخفاض بلغ 13.9%، بينما انخفضت أسعار الأبقار بنسبة 6.4%، وذكور الأبقار الصغيرة بنسبة 6.2%.
في المقابل، ارتفعت أسعار العجلات بشكل طفيف بنسبة 0.5%، لتصل إلى حوالي 685.06 يورو لكل 100 كيلوغرام.
وعلى الرغم من الانخفاضات الأخيرة، لا تزال الأسعار الأوروبية عند مستويات مرتفعة مقارنة بالفترة السابقة، إذ ارتفع متوسط الأسعار بين يوليوز 2025 ويونيو 2026 بنسبة 20.48%.
وسجلت الزيادة تفاوتًا بين الدول، حيث بلغت حوالي 16.74% في إيرلندا، مقابل 29.12% في السويد.
ويواجه قطاع اللحوم البقرية الأوروبي في الوقت نفسه تحديًا آخر يتمثل في تقلص حجم المعروض.
فخلال الفترة الممتدة من يناير إلى أبريل، انخفض عدد عمليات الذبح داخل الاتحاد الأوروبي بنسبة 4.3%، بينما تراجعت الكميات المنتجة بنسبة 2.2%.
وكانت بعض الدول الأكثر تأثرًا بهذا الانخفاض، حيث تراجعت عمليات الذبح في مالطا بنسبة 20%، وإيرلندا بـ14.4%، وكرواتيا بـ13.4%، وبلغاريا بـ13.2%، وبولندا بـ12.6%، وإستونيا بـ12%.
وفي المقابل، سجلت المجر ارتفاعًا في عمليات الذبح بنسبة 6.3%، لتشكل استثناءً عن الاتجاه العام.
وبحسب فئات الحيوانات، كان التراجع الأكبر من نصيب الثيران بنسبة 8.7%، يليها ذكور الأبقار الصغيرة بنسبة 8.3%.
وتبرز المقارنة الدولية استمرار ارتفاع أسعار اللحوم البقرية الأوروبية، رغم الانخفاضات المسجلة مؤخرًا.
فقد بلغ متوسط السعر في الاتحاد الأوروبي حوالي 650.91 يورو لكل 100 كيلوغرام من وزن الذبيحة، مقابل 786.77 يورو في الولايات المتحدة و700.17 يورو في المملكة المتحدة.
أما البرازيل، إحدى أبرز القوى العالمية في إنتاج وتصدير اللحوم البقرية، فقد سجلت متوسطًا أقل بكثير لم يتجاوز 374.53 يورو لكل 100 كيلوغرام.
وتكشف هذه الفوارق عن اختلاف كبير في مستويات الأسعار وتكاليف الإنتاج بين الأسواق الرئيسية.
وفي ظل استمرار تقلص الإنتاج الأوروبي وتراجع أعداد الماشية الموجهة للذبح، تظل السوق أمام معادلة دقيقة تجمع بين محدودية العرض وارتفاع الأسعار من جهة، وتراجع الطلب في عدد من الأسواق الخارجية من جهة أخرى.
أما بالنسبة للمغرب، فإن الانخفاض الكبير في وارداته من اللحوم البقرية الأوروبية خلال بداية 2026 يمثل تحولًا لافتًا مقارنة بالقفزة التي سجلتها المشتريات خلال 2022 و2024، ويجعل تطور الأسعار وحجم الإنتاج الأوروبي، إلى جانب مستوى الطلب داخل السوق المغربية، عوامل حاسمة في تحديد اتجاه المبادلات خلال الفترة المقبلة.



