اقتصاد المغربالشركات

شركات الصحة المغربية تراهن على إفريقيا لتوسيع النمو وتعزيز السيادة الصحية

لم يعد طموح الفاعلين المغاربة في قطاع الصحة يقتصر على تلبية احتياجات السوق الوطنية، بل بدأ يأخذ بعداً إقليمياً واضحاً مع توجه عدد من الشركات نحو تصدير منتجاتها وخبراتها واستثماراتها إلى الأسواق الإفريقية. ويشمل هذا التحول مجالات متعددة تمتد من صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية إلى الخدمات الصحية والتقنيات العلاجية المتقدمة.

ويبرز هذا المسار في تجارب عدد من الشركات التي نجحت في بناء نماذج أعمال مختلفة، قبل أن تجعل من التوسع خارج المملكة جزءاً أساسياً من استراتيجياتها المستقبلية. وسلطت مجلة «فوربس إفريقيا»، في عددها الخاص بالمغرب، الضوء على نماذج من بينها «لابروفان» و«سيم سانتي» و«آيم ميديكير» و«أفريك فار»، باعتبارها أمثلة على التحول الذي يشهده القطاع الصحي المغربي.

ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه القطاع تغيرات عميقة، بفعل توسيع التغطية الصحية وارتفاع الطلب على الخدمات العلاجية والأدوية، إلى جانب تنامي الرهانات المرتبطة بالسيادة الصحية وتطوير قاعدة صناعية محلية قادرة على تقليص الاعتماد على الخارج.

وتبرز مجموعة «لابروفان» كأحد النماذج التي اختارت مبكراً الجمع بين التصنيع والبحث والتطوير والانفتاح على الأسواق الخارجية.

وبخبرة تتجاوز 75 عاماً، وسعت المجموعة نطاق عملياتها من خلال عدد من عمليات الاستحواذ، لتصبح حاضرة في عدة أسواق، من بينها المغرب وفرنسا وسويسرا والهند وألمانيا والمملكة المتحدة.

وتصل منتجاتها حالياً إلى أكثر من 30 دولة في إفريقيا والشرق الأوسط، فيما تمتد ملكيتها الفكرية إلى أكثر من 100 دولة، ما يعكس اتساع بصمتها الدولية.

ولا تعتمد استراتيجية المجموعة على التوسع الجغرافي وحده، إذ تولي أهمية متزايدة للبحث والتطوير، مع توجه نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في عدد من العمليات الصناعية، خصوصاً توقع الطلب، وتدبير المشتريات، وتخطيط الإنتاج وإدارة المخزون.

ومن خلال هذه المقاربة، تسعى «لابروفان» إلى تعزيز تنافسيتها والاستفادة من التكنولوجيا لرفع كفاءة عملياتها ودعم توسعها في الأسواق الخارجية.

وفي قطاع الرعاية الصحية، تبني مجموعة «سيم سانتي» توسعها انطلاقاً من خبرتها في إدارة المؤسسات والمراكز الطبية.

ومنذ تأسيسها سنة 1994، طورت المجموعة شبكة تضم ست مصحات ومستشفيات وتسعة مراكز طبية، يعمل فيها أكثر من 500 طبيب استشاري، مع انتشار رئيسي في الدار البيضاء ومراكش وطنجة.

ويشكل مستشفى المجموعة في الدار البيضاء أحد أبرز مكوناتها، بطاقة استيعابية تصل إلى 300 سرير وعلى مساحة تقدر بنحو 30 ألف متر مربع.

ولم يعد نشاط المجموعة مرتبطاً بالمرضى داخل المغرب فقط، إذ تستقبل مؤسساتها مرضى من عدد من دول غرب إفريقيا، من بينها السنغال وكوت ديفوار.

وتشير «فوربس إفريقيا» إلى أن المجموعة تدرس الانتقال إلى مرحلة جديدة من التوسع من خلال إنشاء حضور مباشر في القارة، مع وجود دكار وأبيدجان ضمن المدن المرشحة لاحتضان عملياتها المستقبلية.

وبالتوازي مع ذلك، تواصل «سيم سانتي» الاستثمار في تخصصات علاجية متقدمة، خصوصاً علاج السرطان، إلى جانب استكشاف تقنيات حديثة مثل الجراحة الروبوتية.

وفي مجال المعدات والمستلزمات الطبية، اختارت «آيم ميديكير» التركيز على التصنيع داخل المغرب والاستفادة من الفرص التي يوفرها سوق كان يعتمد بشكل كبير على الواردات.

وتأسست الشركة سنة 2020، وركزت نشاطها على تصنيع الحقن الطبية، في وقت تجاوز فيه الاعتماد التاريخي على المنتجات المستوردة في هذا المجال 90 في المائة.

وتقدم الشركة نفسها كأول مصنع مغربي للحقن الطبية، بطاقة إنتاجية تتجاوز 450 مليون وحدة، ما يمنحها موقعاً مهماً ضمن جهود تطوير قاعدة صناعية محلية للمستلزمات الصحية.

وبعد استثمار أولي تجاوز 9 ملايين دولار، تخطط «آيم ميديكير» لاستثمار نحو 20 مليون دولار إضافية خلال خمس سنوات، بهدف توسيع طاقتها وتعزيز قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وتراهن الشركة على الموقع الجغرافي للمغرب ليكون منصة تربط بين الأسواق الإفريقية والأوروبية، مع طموح لتوفير بديل إقليمي لسلاسل الإمداد التي تعتمد بشكل كبير على المنتجات الآسيوية.

وفي الصناعة الدوائية، تستند «أفريك فار» إلى خبرة تمتد لنحو ستة عقود، استطاعت خلالها بناء محفظة تضم أكثر من 200 منتج.

وتكتسب المنتجات التي طورتها الشركة بنفسها أهمية خاصة في نموذج أعمالها، إذ تمثل الابتكارات والتطويرات الخاصة أكثر من 60 في المائة من رقم معاملاتها.

ويجمع المختبر بين تطوير الأدوية الجنيسة داخلياً، وإقامة شراكات مع شركات دولية، والتركيز على مجالات علاجية محددة، إضافة إلى منح التراخيص والتصنيع لفائدة شركاء آخرين.

وتشمل مجالات نشاط الشركة أمراض القلب والأمراض النادرة وبعض العلاجات المرتبطة بالأمراض المعدية، ما يعكس تنوع محفظتها العلاجية.

ومنذ استحواذ «فارما كابيتال» عليها، تعمل «أفريك فار» على تطوير حكامتها وتعزيز قدراتها الصناعية، مع توجيه اهتمام متزايد نحو أسواق غرب ووسط إفريقيا.

وتسعى الشركة من خلال هذه الاستراتيجية إلى بناء منصة تجمع بين الإنتاج المحلي والشراكات الدولية، بما يسمح لها بتوسيع نطاق وصول منتجاتها إلى الأسواق الإفريقية.

وتكشف تجارب هذه الشركات، رغم اختلاف مجالات نشاطها، عن اتجاه مشترك داخل القطاع الصحي المغربي نحو الانتقال من التركيز على السوق المحلية إلى بناء نماذج أعمال ذات امتداد إقليمي.

فالصناعة الدوائية تتحرك نحو زيادة الإنتاج والابتكار والتصدير، بينما تسعى مؤسسات الرعاية الصحية إلى نقل خبراتها إلى الأسواق الإفريقية، في حين تعمل شركات الأجهزة الطبية على تطوير التصنيع المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات.

ولا يرتبط هذا التحول فقط بالرغبة في الوصول إلى أسواق جديدة، بل يتقاطع أيضاً مع هدف أوسع يتمثل في تعزيز السيادة الصحية للمغرب وبناء قدرات إنتاجية وخدماتية قادرة على المنافسة إقليمياً.

ومع استمرار الاستثمار في الصناعة الدوائية، والبنية التحتية الصحية، وتصنيع المعدات الطبية والتقنيات العلاجية، تتزايد فرص تحول المغرب إلى منصة إقليمية للصحة، فيما تبدو الأسواق الإفريقية مرشحة لتكون إحدى أهم وجهات التوسع أمام الشركات المغربية خلال السنوات المقبلة.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى