الذكاء الاصطناعي يقود وول ستريت إلى مستويات قياسية.. فقاعة جديدة أم طفرة مدعومة بالأرباح؟

لم تعد المخاوف بشأن ارتفاع تقييمات الأسهم الأمريكية مجرد تحذيرات متفرقة يطلقها بعض المحللين، بل تحولت إلى موضوع حاضر بقوة في تقارير المؤسسات المالية واستطلاعات المستثمرين، بالتزامن مع استمرار مؤشرات وول ستريت في تسجيل مستويات تاريخية مدفوعة بالصعود القوي لأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان تجربة أواخر التسعينيات، عندما أثار رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق ألان غرينسبان، في ديسمبر 1996، مخاوف بشأن ما وصفه بـ”الحماس اللامعقول” الذي قد يدفع أسعار الأصول إلى مستويات تفوق قيمتها الحقيقية.
لكن المفارقة أن تحذير غرينسبان لم يوقف الصعود آنذاك. فقد تعرضت الأسهم لضغوط مؤقتة، قبل أن تستأنف مسارها الصاعد، وتواصل الارتفاع لسنوات أخرى وصولًا إلى ذروة فقاعة شركات الإنترنت في عام 2000.
واليوم، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا. فبدل تحذير واحد، تتوالى الإشارات بشأن ارتفاع التقييمات وتركيز السوق ومخاطر الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في وقت تحقق فيه الشركات الكبرى أرباحًا وإيرادات فعلية تبرر جزءًا من هذا الصعود.
وهنا يبرز السؤال الذي يشغل المستثمرين: هل يعيش السوق الأمريكي مرحلة مبكرة من دورة صعود طويلة، أم أن موجة الذكاء الاصطناعي تقترب من مرحلة يصبح فيها ارتفاع التقييمات أكبر من قدرة الأرباح على تبريره؟
سجل مؤشر “إس آند بي 500” مستوى قياسيًا عند نحو 7798 نقطة في 13 أغسطس 2026، محققًا مكاسب تقارب 13% منذ بداية العام.
غير أن قوة المؤشر لا تعكس بالضرورة أداءً متوازنًا بين مكوناته، إذ أصبح عدد محدود من الشركات العملاقة يستحوذ على حصة متزايدة من وزنه.
وتشكل أكبر عشر شركات في المؤشر حاليًا ما بين 40 و41% من إجمالي الوزن، مقارنة بنحو 25% عند ذروة فقاعة الدوت كوم عام 2000 وحوالي 15% عام 1980.
وتأتي “إنفيديا” في مقدمة الشركات التي تعكس هذا التركّز، بعدما تجاوز وزنها 8% من المؤشر، في وقت تخطت فيه قيمتها السوقية 5 تريليونات دولار.
كما وصلت نسبة شيلر CAPE، التي تقيس تقييم الأسهم مقارنة بمتوسط الأرباح المعدلة دوريًا، إلى نحو 41.2 في أغسطس، وهي قراءة مرتفعة تاريخيًا ولا تقترب منها سوى مستويات سُجلت خلال ذروة فقاعة الإنترنت.
ولا تعني هذه المستويات أن الانهيار أصبح حتميًا، لكنها تشير إلى أن السوق باتت تعتمد بدرجة أكبر على استمرار نمو الأرباح وتدفقات السيولة حتى تظل التقييمات المرتفعة قابلة للدفاع عنها.
رغم التشابه في ارتفاع التقييمات وتركيز السوق، فإن المقارنة مع عام 2000 تصطدم بفارق جوهري.
فالشركات التي تقود موجة الذكاء الاصطناعي اليوم لا تعتمد فقط على وعود مستقبلية، وإنما تحقق بالفعل إيرادات وأرباحًا ضخمة.

وتبرز “إنفيديا” مرة أخرى باعتبارها المثال الأوضح، بعدما أعلنت في مايو عن إيرادات فصلية قياسية بلغت 81.6 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 85%.
وساهم نشاط مراكز البيانات بالنصيب الأكبر من هذه الإيرادات، بعدما سجل 75.2 مليار دولار، بزيادة بلغت 92% على أساس سنوي.
كما عززت المؤسسات المالية توقعاتها لأرباح الشركات الأمريكية. فقد رفع “جيه بي مورجان” تقديراته لأرباح 2026 إلى 365 دولارًا للسهم، بما يعادل نموًا سنويًا يبلغ 35%، بينما قدر “دويتشه بنك” الأرباح عند 358 دولارًا للسهم في بداية أغسطس.
وهذا يعني أن صعود الأسهم يستند، ولو جزئيًا، إلى تحسن حقيقي في النتائج المالية، وليس فقط إلى موجة مضاربة منفصلة عن أداء الشركات.
رغم قوة الأرباح، بدأ المستثمرون أنفسهم يرفعون مستوى التحذير.
وأظهر استطلاع “بنك أوف أمريكا” لمديري الصناديق أن 45% من المشاركين يعتبرون فقاعة الذكاء الاصطناعي أكبر مخاطر السوق، مقارنة بـ5% فقط في مايو.
وشمل الاستطلاع 210 مديرين يديرون أصولًا بقيمة إجمالية تبلغ نحو 555 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين 2 و9 يوليو.
لكن النتائج لم تقدم إجماعًا على وجود فقاعة فعلية؛ إذ رأى 48% من المشاركين أن أسهم الذكاء الاصطناعي لم تصل بعد إلى مرحلة الفقاعة، مقابل 43% اعتبروا أنها دخلت هذه المرحلة بالفعل.
ويعكس هذا الانقسام حالة عدم اليقين التي تسيطر على السوق: هل الارتفاع الحالي هو نتيجة طبيعية لنمو أرباح استثنائي، أم أن المستثمرين بدأوا يدفعون أسعارًا تفترض استمرار هذا النمو لفترة أطول مما قد يكون واقعيًا؟
قد لا تكمن المشكلة الأساسية في أسعار الأسهم وحدها، بل في حجم الأموال التي يجري ضخها لبناء البنية التحتية اللازمة لازدهار الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقرير بنك التسويات الدولية الصادر في يونيو، من المتوقع أن تنفق خمس شركات تقنية عملاقة أكثر من تريليون دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عامي 2025 و2026 مجتمعين.
ويطرح هذا الإنفاق سؤالًا جوهريًا حول قدرة التدفقات النقدية والأرباح على مواكبة حجم الاستثمار.
فإذا تجاوز الإنفاق الرأسمالي قدرة الشركات على تمويله من مواردها الداخلية، يصبح اللجوء إلى الاقتراض وإصدار الديون أكثر أهمية، وهو ما يرفع حساسية القطاع لتغير أسعار الفائدة وتكاليف التمويل.
وتزداد المخاطر إذا بدأت الشركات في اكتشاف أن العائد على مراكز البيانات والاستثمارات الجديدة أقل من التوقعات الأولية.
وحذر بنك التسويات الدولية من أن خيبة الأمل بشأن العوائد قد تحول موجة الإنفاق الرأسمالي إلى فترة ممتدة من ضعف الاستثمار، مع إمكانية انتقال آثارها إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد والأسواق المالية.
لم تعد صناعة الذكاء الاصطناعي قطاعًا منفصلًا، بل أصبحت منظومة مترابطة تجمع شركات تصنيع الرقائق، ومقدمي الخدمات السحابية، ومراكز البيانات، وشركات البرمجيات، والمختبرات المتخصصة، ومؤسسات التمويل.
وتتداخل هذه الأطراف من خلال الاستثمارات المتبادلة وعقود التوريد طويلة الأجل واتفاقيات شراء القدرات الحاسوبية.
ومن شأن هذا الترابط أن يضاعف تأثير أي صدمة. فإذا تباطأ الطلب على الرقائق، على سبيل المثال، يمكن أن تتأثر شركات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، ومن ثم تنعكس التداعيات على خطط الإنفاق الرأسمالي لدى شركات أخرى.
لكن هذه المخاطر لا تزال نظرية بالنسبة للسوق، لأن نقطة الانقطاع التي يمكن أن تبدأ منها سلسلة العدوى لم تظهر بوضوح حتى الآن.
تقدم تجربة 1996 درسًا مهمًا للمستثمرين اليوم.
فالأسواق تجاهلت تحذير غرينسبان لسنوات، وواصلت الصعود، ما جعل البيع المبكر يبدو في حينه قرارًا خاطئًا. لكن مرور الوقت أثبت أن التحذير كان يستشرف خطرًا حقيقيًا، حتى لو جاء قبل الانفجار الفعلي للفقاعة بعدة سنوات.
والفارق أن نسبة CAPE كانت في حدود 21 تقريبًا عند إطلاق التحذير، بينما تبلغ حاليًا أكثر من 41.
وهذا لا يعني أن السوق ستكرر السيناريو نفسه، لكنه يشير إلى أن مستويات التقييم الحالية لا تمنح المستثمرين هامشًا كبيرًا للخطأ إذا تراجعت الأرباح أو ارتفعت تكلفة التمويل.
الفرق الأساسي أن فقاعة الإنترنت اعتمدت بدرجة كبيرة على شركات لم تكن تحقق أرباحًا كافية لتبرير تقييماتها، بينما تقود السوق اليوم مجموعة من الشركات التي تتمتع بميزانيات ضخمة وأرباح فعلية.
لكن هذا لا يلغي الخطر، بل يغير طبيعته.
فالمخاطر الحالية قد تظهر من خلال تراجع العائد على الإنفاق الرأسمالي، أو ارتفاع تكلفة الديون، أو ضعف الطلب على الخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أو تباطؤ نمو الأرباح مقارنة بالتوقعات شديدة الارتفاع.
وبذلك قد يكون التصحيح المقبل، إذا وقع، أقرب إلى أزمة مرتبطة بالائتمان والاستثمار وتمويل البنية التحتية منه إلى انهيار مفاجئ لشركات ناشئة مضاربية كما حدث في بداية الألفية.
ثلاثة مسارات محتملة للسوق
خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار “إس آند بي 500”.
السيناريو الهبوطي قد يدفع المؤشر إلى نطاق يتراوح بين 6400 و7000 نقطة، أي انخفاضًا بنحو 10 إلى 18%، إذا اجتمعت عوامل مثل تشدد السياسة النقدية، وتراجع توجيهات الشركات الكبرى، وظهور مؤشرات على خفض الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
السيناريو الأساسي يفترض استمرار نمو الأرباح وتفوقها على التوقعات، مع استقرار أسعار الفائدة واستمرار الإنفاق الاستثماري وفق الخطط الحالية، ما قد يدفع المؤشر إلى نطاق 7950–8100 نقطة.
أما السيناريو الصعودي فيفترض خفض أسعار الفائدة، وظهور مكاسب إنتاجية ملموسة من الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استمرار تسارع نمو الأرباح، وهو ما قد يفتح الطريق أمام المؤشر للوصول إلى نطاق 8250–8500 نقطة.
ويظل مسار السياسة النقدية عاملًا حاسمًا، لأن أي تغير في تكلفة الاقتراض سينعكس مباشرة على تمويل مراكز البيانات والبنية التحتية الجديدة.
ستحتاج الأسواق إلى متابعة مجموعة من البيانات والأحداث لتحديد ما إذا كان الصعود الحالي قابلًا للاستمرار.
وتأتي في مقدمة هذه المحطات نتائج “إنفيديا” للربع الثاني من السنة المالية 2027 في 26 أغسطس 2026، إذ ستقدم مؤشرات مهمة حول قوة الطلب على الرقائق وقدرة الشركة على الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة.
بعد ذلك، سيكون قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في 16 سبتمبر محطة رئيسية، خصوصًا في ظل الجدل حول مسار السياسة النقدية بعد اجتماع يوليو.
أما في أواخر أكتوبر ومطلع نوفمبر، فستتجه الأنظار إلى نتائج شركات الحوسبة السحابية الكبرى، والتي يمكن أن تكشف مدى استمرار الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي وتوقعات الشركات لعام 2027.
بعد مرور ثلاثة عقود على تحذير غرينسبان، تعود الأسواق إلى السؤال نفسه ولكن في بيئة اقتصادية مختلفة: هل ارتفاع الأسعار يعكس تحسنًا حقيقيًا في أساسيات الشركات، أم أن التوقعات أصبحت أعلى من قدرة الاقتصاد على الوفاء بها؟
حتى الآن، لا توجد إشارة حاسمة إلى انهيار وشيك. فالأرباح لا تزال قوية، والطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي مستمر، والشركات الكبرى تمتلك موارد مالية ضخمة.
لكن في المقابل، أصبحت التقييمات مرتفعة، وتركيز المؤشر شديدًا، والإنفاق على البنية التحتية يتطلب استثمارات ضخمة، فيما تعتمد أجزاء من القطاع على شبكة متزايدة من التمويل والالتزامات المتبادلة.
لذلك لن تحسم معركة “فقاعة الذكاء الاصطناعي” التصريحات ولا التحذيرات وحدها، بل ستحددها أرقام الأرباح والتدفقات النقدية وتكلفة الاقتراض والعائد الحقيقي على الاستثمارات.
فإذا واصلت الشركات تحقيق نمو يبرر التقييمات، فقد تثبت السوق أن ما يبدو فقاعة اليوم هو في الواقع إعادة تسعير لثورة تكنولوجية كبرى. أما إذا تباطأت الأرباح وارتفعت تكلفة التمويل وبدأ الإنفاق الضخم في تحقيق عوائد أقل من المتوقع، فقد يتحول التفاؤل الحالي إلى نقطة ضعف، ويصبح تحذير 2026 نسخة جديدة من الدرس الذي تركه غرينسبان للأسواق قبل ثلاثة عقود.




