مشروع وكالة وطنية للذكاء الاصطناعي يضع المغرب أمام خيار تنظيمي جديد

يشهد النقاش التشريعي بالمغرب بروز مبادرة جديدة ترمي إلى مواكبة التحولات العميقة التي فرضتها الثورة الرقمية، حيث تقدمت المستشارة البرلمانية هناء بن خير، باسم فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمجلس المستشارين، بمقترح قانون يهدف إلى إحداث “الوكالة الوطنية للذكاء الاصطناعي”، ضمن تصور يسعى إلى تأطير استخدام هذه التكنولوجيا وتوجيهها لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويرتكز هذا المقترح على إرساء مؤسسة متخصصة من شأنها تعزيز السيادة الرقمية للمملكة، ورفع مستوى الجاهزية الوطنية للتعامل مع التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضرًا بقوة في مختلف القطاعات الحيوية، من الإنتاج والخدمات إلى الإدارة والصحة والتعليم.
وبحسب المعطيات التشريعية المرتبطة بالمبادرة، فقد تم تسجيل مقترح القانون رسميًا تحت رقم 53 بتاريخ 17 أبريل 2024، في سياق دولي يعرف تسارعًا كبيرًا في إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن الأنظمة الاقتصادية والإدارية، مع توسع استخداماته في مجالات التعليم والصناعة والأمن والخدمات المالية.
وتبرز المذكرة التقديمية للمقترح أن الذكاء الاصطناعي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي العالمي، بالنظر إلى مساهمته في تحسين الإنتاجية ورفع جودة الخدمات ودعم الابتكار. غير أن هذه الدينامية، وفق المصدر ذاته، تستدعي مواكبة قانونية ومؤسساتية دقيقة لضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
وفي المقابل، تشير الوثيقة إلى أن صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي أفرز تحديات متزايدة، خاصة على مستوى حماية المعطيات الشخصية والملكية الفكرية والأمن السيبراني، إلى جانب تنامي مخاطر التضليل الرقمي الناتج عن تقنيات “التزييف العميق” القادرة على إنتاج محتويات مرئية وصوتية شديدة الواقعية.
كما يحذر المقترح من إمكانية توظيف هذه التقنيات في تنفيذ هجمات سيبرانية متقدمة، أو انتحال الهويات الرقمية، أو التأثير على استقرار المؤسسات والأنشطة الاقتصادية، معتبرًا أن غياب إطار وطني متخصص قد يحد من قدرة المغرب على التحكم في هذه المخاطر واستثمار الفرص التي يتيحها التحول التكنولوجي.
وترى المبادرة أن إنشاء هيئة وطنية مستقلة للذكاء الاصطناعي من شأنه أن يتيح بلورة استراتيجيات واضحة في هذا المجال، إلى جانب تنسيق عمل الفاعلين العموميين والخواص، وتتبع التطورات العلمية والتقنية على المستوى الدولي، واقتراح الأطر التنظيمية الكفيلة بمواكبتها.
ويستند المقترح إلى مجموعة من المؤهلات التي يعتبرها داعمة لتموقع المغرب إقليميًا في هذا المجال، من بينها البنية الديمغرافية الشابة، وتزايد حجم البيانات الرقمية، إضافة إلى المشاريع الكبرى المرتبطة بالتحول الرقمي وتحديث الإدارة وتعزيز الاقتصاد الرقمي.
كما يستحضر المشروع مضامين الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2022-2030، التي تروم تسريع رقمنة الخدمات العمومية، وتشجيع الابتكار التكنولوجي، وتطوير البنية التحتية الرقمية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويستقطب الاستثمارات في القطاعات التكنولوجية الحديثة.
وتؤكد المذكرة أيضًا أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة رصيدًا مهمًا من الكفاءات المتخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والروبوتيك والأمن السيبراني، سواء داخل الجامعات ومراكز البحث أو من خلال الكفاءات المغربية العاملة في مؤسسات دولية وشركات عالمية.
وفي هذا السياق، تعتبر الوثيقة أن الاستثمار في الرأسمال البشري يمثل عنصرًا حاسمًا لنجاح أي استراتيجية وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى الطابع المعرفي لهذا القطاع الذي يقوم أساسًا على الابتكار والبحث العلمي أكثر من اعتماده على البنية المادية فقط.
وعلى المستوى المؤسساتي، ينص المقترح على إحداث مؤسسة عمومية تحمل اسم “الوكالة الوطنية للذكاء الاصطناعي”، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وتخضع لوصاية الدولة لدى رئاسة الحكومة، لتكون الجهة المرجعية المكلفة بتأطير وتنظيم وتتبع تطوير واستعمالات الذكاء الاصطناعي داخل المغرب.



