رقمنة الإدارة المغربية: هل قضينا على البيروقراطية أم نقلناها إلى العالم الافتراضي ؟

في سياق التحول الرقمي الذي تبنّته الإدارة المغربية خلال السنوات الأخيرة، تم إطلاق منصات إلكترونية لتدبير طلبات رخص الاستغلال واحتلال الملك العمومي، في خطوة هدفت إلى إعادة هيكلة المساطر الإدارية، وتقليص آجال معالجة الملفات، والحد من البيروقراطية التقليدية بما يعزز جاذبية الاستثمار ويحسن علاقة المرتفق بالإدارة.
غير أن ما كان يُفترض أن يشكل نقلة نوعية في تدبير الخدمات العمومية، أصبح اليوم محل نقاش متزايد بين فاعلين اقتصاديين ومرتفقين، في ظل تساؤلات حول مدى انسجام النتائج الميدانية مع الأهداف المعلنة، وحول اتساع الفجوة بين التصور الرسمي والتحول الفعلي على أرض الواقع.
فعلى الرغم من أن هذه البوابات الرقمية تُقدَّم باعتبارها تجسيداً لمرحلة متقدمة من تحديث الإدارة، لما تحمله من وعود تتعلق بالشفافية وتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن التجربة العملية تكشف أن الرقمنة لم تؤدّ دائماً إلى تبسيط المساطر، بل في بعض الحالات أعادت إنتاج التعقيد في شكل تقني جديد، أكثر تشعباً من النظام الورقي السابق.
ويؤكد عدد من المستثمرين وأصحاب المشاريع أن الولوج إلى رخص الاستغلال أو احتلال الملك العمومي أصبح يتطلب المرور عبر مسارات رقمية متعددة المراحل، قد تتجاوز أحياناً أربع عشرة خطوة إجرائية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مدة معالجة الطلبات، التي قد تفوق شهرين، وقد تمتد أكثر في بعض الحالات. هذه الآجال تطرح علامات استفهام حول مدى تحقيق هدف تسريع الخدمات الإدارية الذي رافق إطلاق هذه المنصات.
وتبرز صعوبات إضافية مرتبطة بالفئات غير المتمرسة في استخدام الأدوات الرقمية، حيث يجد العديد من المرتفقين أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى خدمات وسيطة أو فضاءات رقمية عمومية لإتمام إجراءاتهم. هذا الواقع ساهم في بروز أشكال غير مباشرة من الوساطة الرقمية، قد تتسبب في أخطاء تقنية أو نقص في استكمال الوثائق، مما يؤدي بدوره إلى مزيد من التأخير في معالجة الملفات.
ورغم اعتماد الطابع الإلكتروني في تدبير هذه المساطر، فإن عدداً من الطلبات لا تزال تمر عبر مراحل من التحقق والتأشير الإداري التقليدي ولكن بصيغة رقمية، خاصة على مستوى الجماعات الترابية والمصالح المختصة.
هذا التداخل بين الرقمي والإداري التقليدي ساهم في تراكم الطلبات داخل المنظومة المعلوماتية دون تسريع فعلي في البت فيها، مما جعل زمن المعالجة يظل شبه ثابت رغم تغير الوسيط.
ومن الناحية الاقتصادية، ينعكس هذا التأخر بشكل مباشر على المقاولين وأصحاب المشاريع، خصوصاً في مراحل التأسيس الأولى، حيث يضطرون إلى تحمل تكاليف ثابتة مثل الكراء والالتزامات البنكية وتجهيز المحلات، دون تحقيق أي مداخيل. هذا الوضع يجعل عدداً من المشاريع الناشئة مهددة بالتعثر حتى قبل انطلاقها الفعلي، ويدفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في جدوى مشاريعهم أو تأجيلها.
وفي هذا السياق، لا يطرح النقاش كمسألة رفض للرقمنة، بقدر ما يعكس الحاجة إلى تقييم موضوعي لنتائجها الفعلية. فنجاح التحول الرقمي لا يُقاس بعدد المنصات أو حجم الاستثمارات التقنية، وإنما بمدى قدرتها على تقليص الزمن الإداري، وتبسيط الإجراءات، وتقليل عدد المتدخلين، وضمان خدمة عمومية أكثر فعالية ونجاعة.
ومع مرور سنوات على اعتماد هذه البوابات، يزداد الحديث عن ضرورة إجراء تقييم شامل لمنظومة تدبير رخص الاستغلال والملك العمومي رقمياً، مع إشراك المرتفقين والفاعلين الاقتصاديين في تشخيص مكامن الخلل واقتراح حلول عملية تعيد الاعتبار لأهداف الإصلاح الإداري.
وفي المحصلة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه المنصات الرقمية قد نجحت فعلاً في تجاوز البيروقراطية التقليدية، أم أنها أعادت إنتاجها في صيغة رقمية أكثر تعقيداً وأقل مرونة.
والإجابة، في نهاية المطاف، لا تكمن في الخطابات الرسمية، بل في التجارب اليومية لآلاف المرتفقين الذين ما زالوا ينتظرون أن تترجم الرقمنة وعودها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.




