البنك الدولي يبرز حاجة المغرب لتعزيز مساهمة الاستثمار الخاص في قيادة النمو المستدام

كشف البنك الدولي في تقرير حديث عن أن المغرب يعيش مرحلة حاسمة في مسار تحوله الاقتصادي، مؤكداً أن قوة الإطار المؤسساتي الوطني، وتقدم الإصلاحات الجارية، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، تشكل مجتمعة عوامل جاذبة لرؤوس الأموال الخاصة، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وأوضح التقرير أن التطور الاقتصادي الذي شهده المغرب خلال العقدين الأخيرين اعتمد بشكل أساسي على استثمارات عمومية كبرى همّت البنيات التحتية واللوجستيك والطاقة المتجددة، غير أن مساهمة القطاع الخاص ما تزال دون المستوى المطلوب لضمان نمو مستدام قادر على استيعاب الارتفاع المستمر في اليد العاملة.
ورغم أن مستويات الاستثمار في المغرب تظل مرتفعة مقارنة بالعديد من دول المنطقة، إلا أن البنك الدولي شدد على أن معالجة العوائق التي تحد من انخراط المستثمرين الخواص باتت ضرورة ملحة، من أجل تعزيز النمو الشامل وتمكين المملكة من تحقيق أهدافها التنموية، خصوصاً في مجال خلق فرص الشغل.
وفي إطار تحليل معمق لبيئة الاستثمار، أبرز التقرير أن اختيار القطاعات التي شملها التشخيص جاء بناءً على معايير دقيقة جمعت بين التحليل الكمي والنوعي، إلى جانب مشاورات موسعة مع فاعلين اقتصاديين ومستثمرين وخبراء وصناع قرار وشركاء تنمويين.
وقد تم التركيز على أربعة قطاعات رئيسية، هي إنتاج الطاقة الشمسية، وصناعة النسيج منخفض الانبعاثات الكربونية، وتصنيع زيت الأركان ومنتجات التجميل الطبيعية، إضافة إلى تربية الأحياء المائية البحرية، باعتبارها قطاعات تتقاطع مع أولويات المغرب في مجالات الانتقال الطاقي والتصنيع والتنمية الجهوية.
وفي ما يخص قطاع الطاقة الشمسية، أشار التقرير إلى أن الاستثمار الخاص ما يزال يواجه عراقيل تنظيمية ومؤسساتية، نتيجة تشتت الإطار القانوني وعدم اكتماله، ما يخلق حالة من الغموض بشأن التسعير والإجراءات واستغلال فائض الإنتاج.
كما لفت إلى أن التعقيدات الإدارية وتعدد المتدخلين في مساطر الترخيص يزيدان من صعوبة الاستثمار، في وقت يضيف فيه التحول نحو شركات جهوية متعددة الخدمات مزيداً من عدم وضوح الأدوار.
ورغم هذه التحديات، قدّر البنك الدولي أن تحسين تنفيذ الإصلاحات في هذا المجال يمكن أن يفتح الباب أمام استثمارات خاصة تناهز 2,9 مليار دولار، مع إمكانية خلق أكثر من 43,5 ألف فرصة عمل، إلى جانب تقليص ما يقارب 56 مليون طن من انبعاثات الغازات الدفيئة على مدى 31 سنة.
أما في قطاع النسيج، فقد أبرز التقرير وجود فرص نمو واعدة، رغم استمرار تحديات بنيوية وتنظيمية تعيق الاستثمار، من بينها صعوبة الحصول على معطيات دقيقة حول الأراضي الصناعية، إضافة إلى ارتفاع كلفة الحصول على شهادات الامتثال لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، ما يضع المقاولات الصغيرة والمتوسطة في موقع غير تنافسي مقارنة بنظيراتها الإقليمية. وهو ما يحد، وفق التقرير، من استفادة القطاع من الطلب العالمي المتزايد على النسيج المستدام والدائري.
ولمعالجة هذه الإشكالات، أوصى البنك الدولي بتطوير قاعدة بيانات رقمية شاملة للأراضي الصناعية، وتوسيعها لتشمل الأملاك العمومية والخاصة، إلى جانب إحداث سجل وطني لنفايات الأقمشة وربطه بمنصة تتبع، مع إعادة تصنيف هذه النفايات كمواد قابلة لإعادة التدوير وتحيين الإطار الجمركي المرتبط بها. ومن شأن هذه الإجراءات، وفق التقرير، أن تساهم في تقليص الانبعاثات وتعزيز الاقتصاد الدائري، مع إمكانية جذب استثمارات تقارب 1,9 مليار دولار وخلق حوالي 30,8 ألف فرصة عمل.
وفي ما يتعلق بقطاع زيت الأركان، سلط التقرير الضوء على إمكانات كبيرة غير مستغلة في مجال الصناعات التجميلية الطبيعية، مدفوعة بتزايد الطلب العالمي على هذه المنتجات.
غير أن القطاع ما يزال، بحسب البنك الدولي، يواجه قيوداً تنظيمية وهيكلية تحد من تطوره، أبرزها ضعف أنظمة التتبع، مما يعيق الامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية ويؤثر على ثقة المستثمرين.
واقترح التقرير اعتماد نظام رقمي إلزامي لتتبع سلسلة قيمة الأركان، يضمن شفافية أكبر في عمليات الجمع والتصدير، معتبراً أن تنفيذ هذه الإصلاحات قد يسمح بجذب استثمارات تقدر بـ0,6 مليار دولار، إضافة إلى خلق ما يقارب 17,7 ألف فرصة عمل على المدى المتوسط.




