ملف إصلاح التقاعد بالمغرب يدخل مرحلة حاسمة وسط ضيق الوقت واقتراب الانتخابات

يبدو أن ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب دخل مرحلة دقيقة وحاسمة، بعد سنوات من النقاشات المتواصلة والتأجيلات المتكررة، في ظل تصاعد الضغوط المالية وتباين المواقف بين الفاعلين الاجتماعيين، ما يجعل التوصل إلى تسوية نهائية قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية أمراً معقداً.
وفي هذا السياق، عقدت اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد اجتماعاً جديداً يوم الإثنين، خُصص لبحث الوضعية المالية للصندوق المغربي للتقاعد، وذلك عقب استكمالها في مراحل سابقة لتشخيص شامل شمل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والصندوق المغربي للتقاعد، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد. وبذلك تكون اللجنة قد اقتربت من إنهاء مرحلة التشخيص والانتقال إلى مرحلة تقييم السيناريوهات الإصلاحية الممكنة.
ومن المنتظر، بعد استكمال الأشغال التقنية، أن يتم إعداد حزمة من المقترحات الإصلاحية لعرضها على اللجنة العليا التي يشرف عليها رئيس الحكومة. غير أن هذا المسار يواجه ضغطاً زمنياً واضحاً، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، ما يحد من هامش اتخاذ القرار.
وتتبنى الحكومة مقاربة تدريجية لإصلاح المنظومة، تقوم على إعادة التوازنات المالية بشكل مرحلي، تمهيداً لإصلاح هيكلي أوسع يعتمد نموذج القطبين: قطب عمومي وآخر خاص، وفق ما تم التوافق بشأنه خلال جولات الحوار الاجتماعي لسنتي 2024 و2025.
في المقابل، تعارض المركزيات النقابية هذه المقاربة، معتبرة أنها تستند إلى ما تسميه “المثلث المرفوض”، القائم على رفع سن التقاعد، وزيادة نسب الاشتراكات، وتقليص قيمة المعاشات. وتدعو النقابات إلى خيار بديل يركز على تحسين المعاشات والحفاظ على المكتسبات الاجتماعية للمتقاعدين والأجراء.
وتشدد الحكومة على أن استمرار تأجيل الإصلاح سيؤدي إلى ارتفاع كلفته المستقبلية وتفاقم هشاشة الصناديق، بينما ترى النقابات أن المعطيات المطروحة لم تُناقش بعد بالشكل الكافي الذي يسمح بإطلاق حوار تقني معمق يفضي إلى توافق شامل.
وعلى المستوى المالي، تظهر المؤشرات أن أنظمة التقاعد في المغرب تواجه اختلالاً متزايداً بين عدد المنخرطين وعدد المتقاعدين، ما يضغط بشكل مباشر على استدامة التوازنات المالية لهذه الصناديق.
ويُعد الصندوق المغربي للتقاعد الأكثر عرضة للمخاطر، حيث يعاني من عجز مالي مهم، مع توقع نفاد احتياطاته في أفق سنة 2031، ما يجعله في صدارة الملفات المستعجلة للإصلاح.
أما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد دخل مرحلة العجز التقني والمالي ابتداءً من سنة 2024، رغم قاعدة منخرطين واسعة تناهز حوالي 4 ملايين مؤمن نشيط، مع توقع استمرار احتياطاته إلى حدود سنة 2036.
وفي ما يخص النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، فقد سجل عجزاً تقنياً منذ سنة 2004، ثم عجزاً مالياً ابتداءً من سنة 2025، غير أن احتياطاته المالية ما تزال تمنحه قدرة على الاستمرار إلى حدود سنة 2052، ما يضعه في وضعية أقل هشاشة مقارنة بباقي الأنظمة.
في المقابل، يظل الصندوق المهني المغربي للتقاعد الأكثر استقراراً داخل المنظومة، حيث يحافظ على توازن مالي إيجابي برصيد يناهز 8,2 مليار درهم إلى غاية نهاية 2024، مع آفاق استدامة تتجاوز سنة 2045، باعتباره نظاماً تكميلياً اختيارياً.
كما تواجه منظومة التقاعد تحديات تقنية بنيوية مرتبطة بتعدد الأنظمة واختلاف القواعد القانونية وآليات التمويل وطرق احتساب المعاشات، ما يزيد من تعقيد مسار الإصلاح ويصعب توحيد الرؤية بين مختلف الأطراف.
ويعاني النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، الذي يغطي موظفي المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والأجراء غير المرسمين، من اختلالات هيكلية مستمرة، رغم إدخال إصلاحات جزئية سنة 2021 عبر مرسوم أعاد تعديل آليات الزيادة في المعاشات.
ويعود النقاش حول الإصلاح الشامل إلى دراسات اكتوارية أنجزت سنة 2010، والتي اقترحت اعتماد نموذج القطبين كحل هيكلي، غير أن تطبيق هذا التصور ظل مؤجلاً لسنوات.
أما الانطلاقة الأولى لهذا الورش فتعود إلى اتفاق 30 أبريل 2003، الذي تلاه تنظيم الندوة الوطنية في دجنبر من السنة نفسها، وأفضى إلى إحداث لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة، ولجنة تقنية تحت إشراف وزارة المالية، بمشاركة الحكومة وأرباب العمل والنقابات وممثلي صناديق التقاعد، وهو ما شكل منذ ذلك الحين إطاراً مرجعياً لإصلاح ظل مفتوحاً على التأجيل.



