اقتصاد المغرب

اليونسكو: المغرب ينجح في تقليص الهدر المدرسي بـ 72% وسط استمرار تحديات الجودة والكلفة

في قراءة جديدة لمسار التعليم بالمغرب، أبرز تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن المنظومة التعليمية شهدت خلال الخمسة والعشرين عاماً الأخيرة تحولات بنيوية عميقة، تجسدت في اتساع قاعدة التمدرس وتراجع واضح في نسب الانقطاع، مقابل استمرار اختلالات تتعلق بتكافؤ الفرص وجودة التعلمات وارتفاع الأعباء المالية على الأسر.

وأوضح التقرير العالمي لرصد التعليم أن المغرب تمكن من الانتقال من وضعية اتسمت بارتفاع نسب الأطفال والشباب خارج المدرسة في نهاية تسعينيات القرن الماضي، إلى وضع أقرب تدريجياً إلى دول الدخل المتوسط الأعلى بحلول سنة 2023، نتيجة سلسلة من الإصلاحات التي وُصفت بالممتدة والاستراتيجية منذ مطلع الألفية.

وسجلت معطيات اليونسكو تراجعاً كبيراً في نسب عدم التمدرس، إذ انخفضت في صفوف المراهقين بالتعليم الإعدادي من 42 في المئة سنة 2000 إلى 6 في المئة سنة 2023، فيما تراجعت في التعليم الثانوي التأهيلي من 63 في المئة إلى 23 في المئة خلال الفترة نفسها.

كما أشار التقرير إلى تقلص عدد الأطفال والشباب خارج المدرسة بشكل لافت، من أكثر من مليوني شخص سنة 2000 إلى نحو 570 ألفاً فقط سنة 2023، بما يمثل انخفاضاً يناهز 72 في المئة خلال أقل من ربع قرن.

ويعزو التقرير هذا التطور إلى توسع الاستثمار العمومي في البنيات التحتية التعليمية، حيث ارتفع عدد مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي العمومية من 941 مؤسسة سنة 1999-2000 إلى 2024 مؤسسة في الموسم الدراسي 2023-2024، بينما ارتفع عدد مؤسسات الثانوي التأهيلي من 537 إلى 1505 مؤسسات خلال الفترة ذاتها.

ورغم هذا التقدم الكمي، تؤكد اليونسكو أن الولوج إلى المدرسة لم يعد المؤشر الوحيد للنجاح، إذ ما تزال نسب التكرار مرتفعة، خاصة في السلك الإعدادي الذي بلغ 23 في المئة سنة 2019، مقابل 11 في المئة في التعليم التأهيلي سنة 2024، وهو ما يعكس استمرار تحديات مرتبطة بجودة التعلمات.

وفي ما يتعلق بتعميم التعليم، يبرز التقرير أن التعليم الابتدائي أصبح شبه شامل خلال السنوات الأخيرة، بينما ارتفعت نسبة الولوج إلى السنة الأولى من التعليم الإعدادي من 50 في المئة سنة 2000 إلى 90 في المئة سنة 2024، كما تضاعفت نسبة الالتحاق بالسنة الأولى من الثانوي التأهيلي من 20 في المئة إلى 50 في المئة بين 2000 و2020.

ويرجع هذا التحول، وفق المصدر ذاته، إلى تراكم إصلاحات كبرى شملت الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والبرنامج الحكومي لسنة 2012، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030، وصولاً إلى القانون الإطار 51.17 وخارطة الطريق 2022-2026، التي جعلت من تقليص الهدر المدرسي عبر الدعم الاجتماعي والنقل والإطعام أولوية مركزية.

في المقابل، نبه التقرير إلى تنامي الضغط المالي على الأسر المغربية المرتبط بكلفة التمدرس، حيث ارتفعت حصة الإنفاق على التعليم من الاستهلاك الأسري من 1.6 في المئة سنة 2001 إلى 3.7 في المئة سنة 2014، بالتوازي مع توسع التعليم الخاص في السلك الثانوي.

كما أورد أن الكلفة السنوية للتعليم الثانوي بلغت حوالي 3412 درهماً خلال موسم 2019-2020، ما دفع السلطات العمومية إلى تعزيز برامج الدعم الاجتماعي لتخفيف العبء عن الأسر.

وفي هذا السياق، سلطت اليونسكو الضوء على برنامج “تيسير” للتحويلات المالية المشروطة، الذي انطلق سنة 2008 وتوسع تدريجياً ليشمل ملايين التلاميذ، حيث بلغ عدد المستفيدين منه نحو 3.1 ملايين تلميذ سنة 2025.

كما توقف التقرير عند التحول في آليات الدعم الاجتماعي من خلال اعتماد السجل الاجتماعي الموحد، الذي يتيح تقديم مساعدات مالية مباشرة للأسر لتغطية مصاريف الدخول المدرسي، بدل آليات التوزيع التقليدية للمستلزمات المدرسية.

وعلى مستوى الخدمات الموازية، سجل التقرير تحسناً في النقل المدرسي، إذ بلغ عدد المستفيدين في التعليم الثانوي التأهيلي حوالي 111 ألف تلميذ خلال الموسم 2023-2024، يشكل تلاميذ العالم القروي نحو 75 في المئة منهم.

كما شهدت الداخليات المدرسية توسعاً ملحوظاً ساهم في تقليص أثر البعد الجغرافي، خاصة في المناطق القروية، بما عزز فرص الاستمرار في الدراسة.

وفي إطار محاربة الانقطاع المبكر، أبرز التقرير اعتماد نظام إنذار مبكر يرتكز على معطيات منظومة “مسار” لرصد التلاميذ المهددين بالانقطاع، إلى جانب برامج دعم نفسي وتربوي وأنشطة موازية للحد من التسرب المدرسي.

كما سجلت مبادرة “مدرسة الفرصة الثانية” نتائج إيجابية، حيث تمكنت خلال موسم 2024-2025 من إعادة إدماج 72 في المئة من المستفيدين، سواء في التعليم النظامي أو التكوين المهني أو سوق الشغل.

أما تجربة “مدارس الريادة” التي انطلقت سنة 2023، فقد اعتبرتها اليونسكو خطوة واعدة تعتمد على التقييم المستمر والدعم الفردي، ويمكن أن تسهم مستقبلاً في تحسين جودة التعلمات والحد من الهدر المدرسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى