النحاس يقترب من مستويات قياسية وسط طفرة الذكاء الاصطناعي وضغوط الإمدادات

تتجه سوق النحاس العالمية نحو مرحلة جديدة من الارتفاع، مدفوعة بتسارع الطلب على الكهرباء واتساع الاستثمارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ومشروعات شبكات الطاقة، في وقت تواجه فيه الإمدادات العالمية ضغوطًا متزايدة.
ودفع هذا المشهد أسعار المعدن إلى الاقتراب مجددًا من أعلى مستوياتها التاريخية، بالتزامن مع صعود أسهم شركات النحاس والكابلات والمعادن في كوريا الجنوبية.
وأغلقت العقود الآجلة للنحاس لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن عند نحو 14,215.50 دولارًا للطن في 23 أغسطس، بعدما سجل المعدن مكاسب بلغت 3.08% خلال الشهر. وبذلك أصبح السعر قريبًا من القمة التاريخية البالغة 14,527.50 دولارًا للطن، والتي سجلها النحاس في يناير.
لم يعد صعود النحاس مرتبطًا بصورة أساسية بتعافي النشاط الصناعي أو تحسن الاقتصاد العالمي، إذ برزت خلال السنوات الأخيرة عوامل هيكلية جديدة تعيد تشكيل سوق المعدن، وفي مقدمتها النمو المتسارع في استهلاك الكهرباء.
ويُعد النحاس عنصرًا رئيسيًا في منظومة الطاقة، حيث يدخل في عمليات توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، فضلًا عن استخدامه في المعدات الكهربائية والتطبيقات النهائية. ومع توسع الطلب على الطاقة، تزداد الحاجة إلى كميات إضافية من المعدن لتطوير البنية التحتية الكهربائية.
ويكتسب هذا العامل أهمية أكبر مع التوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب كميات ضخمة من الكهرباء لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد والمعدات المتطورة. ولا يقتصر استهلاك النحاس على مكونات مراكز البيانات نفسها، بل يمتد إلى شبكات الكهرباء التي يتعين تطويرها لتوفير الإمدادات اللازمة لهذه المنشآت.
ومن المتوقع أن تضيف قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والدفاع مزيدًا من الضغوط على الطلب العالمي، في ظل اعتمادها المتزايد على النحاس.
وتشير تقديرات شركة إس آند بي جلوبال إلى إمكانية ارتفاع الطلب العالمي على النحاس من نحو 28 مليون طن إلى 42 مليون طن بحلول عام 2040، بزيادة تقارب 50%.
ويرى كانج سونج-تشول، المحلل لدى يوجين إنفستمنت آند سيكيوريتيز، أن نمو استهلاك الكهرباء أصبح المحرك الأبرز للطلب على النحاس، مشيرًا إلى أن السوق دخلت مرحلة لا تعتمد فيها الحاجة إلى المعدن فقط على دورات الاقتصاد التقليدية، وإنما أيضًا على توسعة وتجديد شبكات الكهرباء، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستخدامات الدفاعية.
في المقابل، لا تبدو زيادة الإنتاج العالمي قادرة بالسرعة نفسها على مواكبة نمو الطلب، وهو ما يثير مخاوف من اتساع فجوة المعروض خلال السنوات المقبلة.
وحذّر كانج من أن عدم تنفيذ استثمارات جديدة وكبيرة تتجاوز المشروعات المخطط لها حاليًا قد يقود إلى عجز عالمي في النحاس يصل إلى نحو 10 ملايين طن بحلول عام 2040.
وتزداد الضغوط بفعل الاضطرابات التي تواجه بعض مناطق الإنتاج الرئيسية. فقد تأثرت عمليات التعدين في تشيلي، أكبر منتج للنحاس عالميًا، بظروف جوية صعبة، في وقت اضطرت فيه شركة لوندين ماينينج إلى خفض توقعاتها لإنتاج النحاس خلال العام الجاري.
ولا تتوقف مؤشرات شح الإمدادات عند مستويات الإنتاج، بل تظهر أيضًا في سوق النحاس الفورية، إذ أظهرت بيانات حديثة اتساع الفارق بين أسعار النحاس المتاح للتسليم الفوري والعقود الآجلة. ووصلت علاوة النحاس الفوري في بورصة لندن للمعادن إلى نحو 545 دولارًا للطن مقارنة بالعقود لأجل ثلاثة أشهر.
ويُنظر إلى هذه العلاوة المرتفعة باعتبارها مؤشرًا على تشدد السوق ونقص كميات النحاس المتاحة فعليًا مقارنة بحجم الطلب الحالي.
انعكست موجة الصعود في سوق النحاس على أداء أسهم الشركات المرتبطة بالمعدن في كوريا الجنوبية، حيث سجلت مجموعة من شركات المعادن والكابلات مكاسب ملحوظة منذ بداية أغسطس.
وارتفعت أسهم شركة لي كو إندستريال بنحو 10.76% خلال الشهر، بينما صعد سهم تايهان كابل آند سوليوشن بنحو 14.87%. كما حققت أسهم إل إس وبونجسان مكاسب بلغت 9.93% و9.27% على التوالي.
وتعكس هذه التحركات توقعات المستثمرين بأن استمرار ارتفاع أسعار النحاس سيعزز إيرادات وأرباح الشركات العاملة في مجالات إنتاج المعادن وتصنيع الكابلات والمكونات الكهربائية.
وتشير توقعات المؤسسات المالية إلى أن موجة ارتفاع النحاس قد لا تكون قد وصلت إلى نهايتها، خصوصًا إذا استمرت اختناقات الإمدادات بالتزامن مع نمو الطلب على الكهرباء.
وتتوقع مجموعة يو بي إس أن يتسع العجز في سوق النحاس المكرر من نحو 219 ألف طن خلال العام الحالي إلى حوالي 379 ألف طن بحلول عام 2027.
بدوره، يرى بنك أوف أميركا أن استمرار القيود على المعروض قد يدفع سعر النحاس إلى تجاوز مستوى 15,200 دولار للطن في عام 2027، حتى مع افتراض تباطؤ نمو الطلب الصيني على المعادن. كما يضع البنك احتمال وصول الأسعار إلى نحو 16 ألف دولار للطن خلال النصف الثاني من العام نفسه.
وتعكس هذه التوقعات تحولًا مهمًا في طبيعة سوق النحاس، إذ أصبحت العوامل المرتبطة بالتحول الطاقي والذكاء الاصطناعي وتحديث البنية التحتية للكهرباء أكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه الأسعار، إلى جانب العوامل الاقتصادية التقليدية.
ومع استمرار شركات التكنولوجيا في ضخ استثمارات ضخمة لإنشاء مراكز بيانات جديدة، يتزايد الضغط على شبكات الكهرباء لتوفير طاقة موثوقة وكافية لهذه المنشآت. وهذا يعني أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تخلق طلبًا مباشرًا على النحاس داخل مراكز البيانات فحسب، بل تولد أيضًا حاجة متزايدة إلى خطوط النقل ومحطات التحويل وشبكات التوزيع.
ويرى خوسيه مانويل مارين سيبريان، مؤسس شركة الاستشارات المالية فورتونا إس إف بي، أن ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء يجعل توافر النحاس أحد أبرز التحديات أمام توسع البنية التحتية للطاقة.
وبذلك، تتحول سوق النحاس تدريجيًا من سوق تتأثر أساسًا بالنمو الصناعي ودورات الاقتصاد إلى سوق ترتبط بشكل متزايد بالاستثمارات طويلة الأجل في الذكاء الاصطناعي والكهرباء والطاقة النظيفة. وإذا لم تتسارع وتيرة تطوير المناجم وزيادة الطاقة الإنتاجية، فقد يجد العالم نفسه أمام سوق أكثر شحًا، ما يفتح الباب أمام استمرار الضغوط الصعودية على الأسعار خلال السنوات المقبلة.




