اقتصاد المغربالأخبار

التجارة الإلكترونية والنشاط الصناعي يشعلان الطلب على العقار اللوجستي بالمغرب

يشهد سوق العقار الصناعي واللوجستي بالمغرب تصاعداً ملحوظاً في الطلب على المستودعات ذات المواقع الاستراتيجية والتجهيزات المتطورة، في وقت تتحول فيه المساحات المخصصة للتخزين والتوزيع إلى عنصر حاسم في قرارات الشركات والمستثمرين، خصوصاً بالقرب من المراكز الاقتصادية الكبرى وشبكات النقل.

وتكشف بيانات حديثة صادرة خلال غشت الجاري عن منصة «Hangar Maroc» المتخصصة في العقار الصناعي، استناداً إلى تحليل ميداني شمل 116 إعلاناً عقارياً بمختلف مناطق المملكة، عن تفاوت واضح في أسعار المستودعات، مع تسجيل مستويات مرتفعة بشكل خاص في محيط الدار البيضاء.

وبحسب المعطيات، تجاوزت أسعار كراء المستودعات في بعض المواقع الاستراتيجية القريبة من العاصمة الاقتصادية 60 درهماً للمتر المربع شهرياً، مقابل متوسط وطني في حدود 40 درهماً للمتر المربع، ما يعكس تأثير الموقع وقرب العقار من المحاور اللوجستية الرئيسية على القيمة الإيجارية.

ولا تقتصر الفوارق على الإيجار، إذ تشير المعطيات نفسها إلى أن متوسط سعر بيع المستودعات على المستوى الوطني يبلغ حوالي 5,300 درهم للمتر المربع المبني، بينما يقدر متوسط سعر الأراضي الموجهة للأنشطة الصناعية واللوجستية بنحو 560 درهماً للمتر المربع.

وتظهر المعطيات الميدانية أن مستودعات متقاربة من حيث المساحة قد تسجل فروقاً في القيمة تصل إلى 50 في المائة، نتيجة اختلاف مجموعة من الخصائص التقنية واللوجستية.

ويأتي في مقدمة هذه العوامل توفر الرسم العقاري المستقل، وارتفاع الأسقف إلى أكثر من 8 أمتار، ووجود أرصفة هيدروليكية مخصصة للشحن والتفريغ، إلى جانب الربط الكهربائي عالي القدرة والساحات الواسعة التي تسمح بحركة ومناورة الشاحنات الثقيلة.

وتمنح هذه المواصفات العقارات الواقعة في مناطق مثل بوسكورة والنواصر وعين السبع قيمة إضافية، بالنظر إلى قربها من المحاور الطرقية والمراكز الصناعية والاقتصادية الكبرى.

ويأتي ارتفاع الطلب على هذه العقارات في سوق يتميز بتمركز جزء مهم من البنية التحتية اللوجستية في عدد محدود من الجهات، وعلى رأسها جهة الدار البيضاء-سطات.

وتشير المعطيات المرتبطة بالوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجستية إلى أن المخزون الوطني من العقارات والمستودعات اللوجستية يتجاوز 20 مليون متر مربع، موزعة على أكثر من 13 ألف وحدة لوجستية، فيما تستحوذ جهة الدار البيضاء الكبرى على أكثر من 40 في المائة من هذا الرصيد.

ويفسر هذا التركيز بدرجة كبيرة الوزن الاقتصادي للجهة، التي تجمع بين الموانئ والمطارات والشبكات الطرقية والسككية، فضلاً عن احتضانها أكبر تجمع للمقاولات ومراكز التوزيع بالمملكة.

ويظل ارتفاع كلفة العقار الصناعي واللوجستي مرتبطاً أيضاً بمحدودية العرض في بعض المناطق، إلى جانب التحديات المرتبطة بتجهيز الأراضي المخصصة للأنشطة الإنتاجية واللوجستية.

وقد حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في عدد من أعماله المتعلقة بالعقار الصناعي من تأثير ارتفاع أسعار الأراضي والمضاربة العقارية على تنافسية المقاولات، خصوصاً الشركات التي تحتاج إلى مساحات كبيرة لمواصلة أنشطتها أو توسيع استثماراتها.

وتدفع هذه الوضعية نحو تسريع تجهيز المناطق الصناعية واللوجستية الجديدة، وتوفير أوعية عقارية بأسعار أكثر تنافسية، بما يسمح بتقليص كلفة الاستثمار وتوفير بدائل أمام الشركات خارج المناطق الأكثر ضغطاً.

وفي ظل هذه التحديات، يتزايد الاهتمام بتنظيم سوق العقار الصناعي وضمان توجيه الأراضي المجهزة نحو مشاريع اقتصادية فعلية، بدل تحولها إلى أصول للمضاربة أو بقائها غير مستغلة.

ويستهدف هذا التوجه تحسين تدبير العقارات المخصصة للأنشطة الإنتاجية واللوجستية، وتشجيع إقامة مشاريع ذات قيمة مضافة، إلى جانب توسيع العرض في مناطق جديدة قادرة على استقطاب المستثمرين وتخفيف الضغط عن محيط الدار البيضاء.

كما أصبح التحكم في تكلفة العقار اللوجستي أحد العناصر التي تدخل في حسابات الشركات عند اختيار مواقع الاستثمار، خصوصاً بالنسبة للمشاريع الصناعية والتوزيع والتجارة الإلكترونية.

وتتجاوز دينامية السوق احتياجات القطاع الصناعي التقليدي، لتشمل أيضاً التحولات المتسارعة في التجارة الإلكترونية وسلاسل التوزيع الحديثة.

وتزايد اهتمام الشركات بالمستودعات اللوجستية من فئة Class A، التي تتميز بمواصفات تقنية متقدمة، تشمل أنظمة أمنية حديثة، وتجهيزات للتحكم في درجات الحرارة، وبنيات رقمية، ومساحات مصممة لاستقبال وتوزيع كميات كبيرة من البضائع بكفاءة.

كما أدى توسع التجارة الإلكترونية وشبكات التجزئة إلى ارتفاع الطلب على مراكز توزيع قريبة من التجمعات الحضرية، بهدف تقليص زمن التسليم وخفض تكاليف ما يعرف بـ«المرحلة الأخيرة» من عمليات التوزيع.

وفي ظل محدودية توفر المستودعات الحديثة بالمواصفات المطلوبة، تتسع الفجوة السعرية بينها وبين العقارات التقليدية، ما يجعل جودة التجهيز عاملاً لا يقل أهمية عن الموقع في تحديد القيمة السوقية.

وبذلك، يتجه العقار الصناعي واللوجستي بالمغرب نحو مرحلة جديدة تصبح فيها الموقعية، وجودة التجهيز، والربط بشبكات النقل المحددات الرئيسية لقيمة الأصول، بينما تظل الدار البيضاء ومحيطها في مقدمة المناطق الأكثر جذباً للطلب، بالتوازي مع حاجة السوق إلى توسيع العرض اللوجستي خارج المناطق ذات الضغط المرتفع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى