الأسهمالاقتصادية

إعادة شراء الأسهم تبلغ مستويات قياسية عالميًا وتفتح جدلًا حول مخاطر الديون والاستثمار

بلغت عمليات إعادة شراء الأسهم حول العالم مستويات غير مسبوقة خلال عام 2025، بعدما خصصت الشركات نحو 1.46 تريليون دولار لشراء أسهمها من الأسواق، في واحدة من أكبر موجات إعادة توزيع السيولة على المساهمين خلال السنوات الأخيرة.

وتعكس هذه الأرقام التحول المتزايد في سياسات الشركات العالمية لإدارة رأس المال، إذ أصبحت إعادة شراء الأسهم خيارًا رئيسيًا إلى جانب توزيعات الأرباح النقدية، خصوصًا لدى الشركات التي تحقق تدفقات نقدية مرتفعة وتبحث عن وسائل لإعادة جزء من السيولة إلى المستثمرين.

لكن الانتشار المتسارع لهذه الممارسة يفتح في الوقت نفسه نقاشًا واسعًا حول تأثيرها على الميزانيات العمومية للشركات، وعلى الاستثمار والإنتاجية والقدرة على مواجهة الأزمات.

فبينما يمكن أن تساعد إعادة الشراء في رفع ربحية السهم وتحسين كفاءة استخدام رأس المال، قد تتحول إلى مصدر ضغط مالي إذا جرى تمويلها بالاقتراض أو استخدامها في وقت تكون فيه الشركة بحاجة إلى توجيه مواردها نحو الاستثمار والتوسع.

وتزداد أهمية هذا النقاش مع ارتفاع قيمة عمليات إعادة الشراء عالميًا بنسبة 8.4% خلال عام 2025، أي بزيادة بلغت نحو 113 مليار دولار مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على اتساع اعتماد الشركات على هذه الأداة ضمن استراتيجياتها المالية.

تختلف إعادة شراء الأسهم عن توزيعات الأرباح النقدية في طبيعة الالتزام الذي تفرضه على الشركات. فبينما ترتبط التوزيعات عادة بسياسة دورية يتوقع المستثمرون استمرارها، تتيح عمليات إعادة الشراء للإدارة قدرًا أكبر من المرونة في تحديد حجم وتوقيت استخدام السيولة.

وتسمح هذه الآلية للشركات بإعادة جزء من الأموال الفائضة إلى حاملي الأسهم من دون إنشاء التزام دوري مماثل للتوزيعات النقدية.

كما يرى بعض المديرين أن هذا الخيار يقلل من مخاطر إرسال إشارات سلبية إلى السوق في حال اضطرت الشركة مستقبلًا إلى خفض توزيعات الأرباح.

يتمثل أحد أبرز الآثار المالية لإعادة شراء الأسهم في انخفاض عدد الأسهم القائمة في السوق.

Treasury scales up debt buybacks, echoing moves before the 1929 crash |  Seeking Alpha

وعندما يبقى صافي الربح ثابتًا أو لا يتغير بالقدر نفسه الذي يتغير به عدد الأسهم، فإن الأرباح المنسوبة إلى كل سهم ترتفع، وهو ما يؤدي إلى تحسن ربحية السهم (EPS).

كما يمكن لانخفاض عدد الأسهم المتداولة أن يؤثر في بعض مضاعفات التقييم، من بينها مضاعف الربحية، بحسب حركة سعر السهم والأرباح خلال الفترة نفسها.

لا ترتبط المخاطر بإعادة شراء الأسهم في حد ذاتها، وإنما تزداد عندما تعتمد الشركات على الاقتراض لتمويل هذه العمليات.

فعند استخدام السيولة النقدية لشراء الأسهم، تنخفض الموارد المتاحة داخل الشركة، كما يمكن أن تتراجع حقوق الملكية. أما إذا جرى تمويل عمليات الشراء من خلال إصدار ديون جديدة، فإن الشركة تضيف التزامات مالية إلى ميزانيتها في الوقت الذي تعيد فيه الأموال إلى المساهمين.

ويوضح المثال الذي يستند إلى تحليلات بنك التسويات الدولية هذه الآلية؛ فإذا كانت الشركة تمتلك أصولًا بقيمة 100 دولار وديونًا بقيمة 30 دولارًا، فإن نسبة الرافعة تبلغ 0.30. لكن في حال اقتراض 10 دولارات إضافية لتمويل إعادة شراء الأسهم، ترتفع النسبة إلى 0.40.

ويعني ذلك أن زيادة المديونية قد تقلص هامش الأمان المالي للشركة، خصوصًا عندما تتعرض الإيرادات أو التدفقات النقدية لضغوط مفاجئة.

وصلت عمليات إعادة شراء الأسهم عالميًا إلى مستوى قياسي خلال عام 2025، بعدما أنفقت الشركات نحو 1.46 تريليون دولار على شراء أسهمها، بزيادة قدرها 8.4% مقارنة بالعام السابق.

كما ارتفعت القيمة الإجمالية لبرامج إعادة الشراء بنحو 113 مليار دولار خلال عام واحد، بما يعكس استمرار اعتماد الشركات الكبرى على هذه الأداة ضمن سياسات تخصيص رأس المال.

وتشير البيانات إلى أن انتشار هذه الممارسة أصبح أوسع بكثير مما كان عليه قبل عقد، إذ تنفذ نحو 52% من الشركات العالمية برامج لإعادة شراء الأسهم، مقابل 36% قبل عشر سنوات.

وخلال الفترة نفسها، ارتفعت قيمة عمليات إعادة الشراء بنسبة 123%، متجاوزة نمو التوزيعات النقدية الذي بلغ 98%.

يبرز السوق الأمريكي باعتباره المحرك الرئيسي للزيادة العالمية في عمليات إعادة شراء الأسهم.

فقد استحوذت الشركات الأمريكية على نحو 71% من إجمالي عمليات إعادة الشراء المسجلة عالميًا في عام 2025، مع نمو قيمة المشتريات الأمريكية بنسبة 8.5% خلال العام، وهو معدل قريب من المتوسط العالمي.

3 Large Cap Stocks Announce Big Buyback Boosts Amid +20% Falls - The Globe  and Mail

وفي المقابل، سجلت أسواق أخرى معدلات نمو أسرع بكثير، إذ ارتفعت عمليات إعادة الشراء في كندا بنسبة 67.9%، وفي هولندا بنسبة 53.5%، بينما بلغت الزيادة في فرنسا 44.4%.

كما سجلت سنغافورة نموًا بنسبة 62.3%، لتصل قيمة عمليات إعادة شراء الأسهم فيها إلى نحو 1.5 مليار دولار، مدفوعة بصورة رئيسية بالقطاع المصرفي.

تعكس المقارنة بين إعادة شراء الأسهم والتوزيعات النقدية اتساع الدور الذي تلعبه هذه الآلية في إعادة الأموال إلى المستثمرين.

فقد بلغت قيمة عمليات إعادة الشراء عالميًا ما يعادل نحو 75% من إجمالي التوزيعات المباشرة للمساهمين، مع اختلافات كبيرة بين الأسواق.

وفي الولايات المتحدة، تجاوزت عمليات إعادة الشراء قيمة التوزيعات النقدية، لتصل النسبة إلى 147%، بينما لم تتجاوز 13% في أستراليا.

وتوضح هذه الفوارق اختلاف سياسات الشركات والأسواق في التعامل مع الفوائض النقدية، سواء عبر إعادة شراء الأسهم أو توزيع الأرباح بصورة مباشرة.

استحوذ القطاع المالي على نحو 26% من إجمالي عمليات إعادة شراء الأسهم عالميًا خلال 2025، مسجلًا زيادة سنوية قدرها 23.1%، لتصل قيمة العمليات إلى مستوى قياسي بلغ 386 مليار دولار.

كما شهد قطاع التكنولوجيا نشاطًا قويًا، بعدما ارتفعت عمليات إعادة شراء الأسهم فيه بنسبة 18.5% لتبلغ نحو 312 مليار دولار.

ويعكس ذلك الدور الكبير الذي تؤديه الشركات المالية والتكنولوجية في إجمالي برامج إعادة الشراء العالمية، نظرًا إلى حجم السيولة والأرباح التي تولدها قطاعات واسعة داخل هذين المجالين.

لا يقتصر الجدل حول عمليات إعادة شراء الأسهم على تأثيرها في المستثمرين، بل يمتد إلى طريقة توزيع الموارد داخل الشركات.

وتشير تحليلات أكاديمية إلى احتمال أن تؤدي زيادة الإنفاق على إعادة شراء الأسهم إلى مزاحمة بعض النفقات الرأسمالية أو الإنفاق على البحث والتطوير، خصوصًا عندما تكون الموارد المالية محدودة.

ويُستشهد في هذا السياق بشركة بوينج، التي أنفقت نحو 43 مليار دولار على إعادة شراء الأسهم بين عامي 2013 و2019، وهو مبلغ تجاوز أرباحها خلال الفترة وفق البيانات الواردة في التقرير، وسط انتقادات ربطت بين سياسة تخصيص رأس المال وتحديات مرتبطة بالاستثمار والتدقيق في إجراءات السلامة والتطوير.

يثير تخصيص مليارات الدولارات لإعادة شراء الأسهم أيضًا نقاشًا بشأن توزيع القيمة داخل الشركات بين المساهمين والعمال.

وترى نقابات عمالية أن توجيه جزء كبير من الأرباح إلى شراء الأسهم يمكن أن يحد من الموارد المتاحة لرفع الأجور وتحسين المزايا، خصوصًا في الشركات التي تواجه ضغوطًا على تكاليف التشغيل.

وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى شركة فيرايزون التي نفذت عملية إعادة شراء أسهم بقيمة 5 مليارات دولار عام 2015، قبل أن تعلن لاحقًا عدم قدرتها على رفع أجور العاملين.

ترتبط عمليات إعادة شراء الأسهم أيضًا بهيكل الحوافز الممنوحة للإدارة التنفيذية، خاصة عندما تعتمد المكافآت على أداء السهم أو مؤشرات مثل ربحية السهم.

وقد يؤدي انخفاض عدد الأسهم القائمة نتيجة عمليات الشراء إلى رفع ربحية السهم، حتى في الحالات التي لا تشهد فيها الأرباح التشغيلية نموًا مماثلًا.

ولهذا السبب، يتركز جانب من الجدل على ما إذا كانت قرارات إعادة الشراء تعكس فائضًا نقديًا حقيقيًا أم ترتبط أحيانًا برغبة الإدارة في تحسين مؤشرات مالية تدخل ضمن آليات تقييم أدائها ومكافآتها.

تزداد حساسية عمليات إعادة الشراء عندما تكون الميزانية العمومية للشركة ضعيفة أصلًا، ولا سيما لدى الشركات التي تعاني من حقوق ملكية سالبة، أي عندما تتجاوز الالتزامات قيمة الأصول.

وفي هذه الحالات، قد يؤدي استمرار تخصيص الأموال لإعادة شراء الأسهم إلى تقليص هامش المناورة المالي، ما يجعل الشركة أكثر عرضة لضغوط التمويل والتراجع الائتماني عندما تتدهور ظروف السوق.

أظهرت اضطرابات الأسواق خلال مارس 2020 أهمية مستوى الرافعة المالية في تحديد قدرة الشركات على تحمل الصدمات.

ووفق البيانات المشار إليها من بنك التسويات الدولية، تكبدت أسهم الشركات ذات الرافعة المالية المرتفعة خسائر أكبر من الشركات الأقل اعتمادًا على الدين خلال موجة اضطراب الأسواق، بغض النظر عن حجم عمليات إعادة الشراء التي نفذتها سابقًا.

وتشير هذه التجربة إلى أن الخطر لا يكمن بالضرورة في عملية إعادة شراء الأسهم نفسها، وإنما في الطريقة التي تؤثر بها على هيكل التمويل والقدرة على مواجهة الأزمات.

في المحصلة، لا يمكن فصل أثر إعادة شراء الأسهم عن الوضع المالي للشركة والأهداف التي تقف وراء القرار وطريقة تمويله.

فإعادة جزء من السيولة الفائضة إلى المستثمرين قد تسمح بتوجيه الأموال إلى شركات أو قطاعات أخرى تمتلك فرصًا استثمارية أكبر، بدلًا من إبقاء الأموال داخل شركة لا تجد مشاريع ذات عائد مناسب.

في المقابل، ترتفع المخاطر عندما تستخدم عمليات إعادة الشراء في ظل ضعف التدفقات النقدية، أو عندما تعتمد الشركة على الاقتراض لتمويلها، أو عندما تتحول العملية إلى وسيلة لتحسين مؤشرات مالية دون أن يقابل ذلك تحسن مماثل في الأداء التشغيلي.

وعليه، فإن تقييم إعادة شراء الأسهم لا يرتبط بحجم الأموال التي تنفقها الشركات على هذه العمليات فقط، وإنما يمتد إلى مصدر التمويل، ومستوى المديونية، وحجم الاستثمارات، وقوة التدفقات النقدية، وقدرة الشركة على الحفاظ على مرونتها المالية في مواجهة تقلبات الأسواق.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى