مع وصول كشف الأطباء إلى 400 درهم.. ضعف تعويضات التغطية الصحية يثقل كاهل المرضى

في خطوة أعادت إشعال فتيل النقاش حول الأمن الصحي وجيوب المواطنين، عمد عدد من الأطباء الاختصاصيين في القطاع الخاص إلى إقرار زيادات أحادية الجانب في تسعيرة الاستشارات الطبية.
هذا التطور الميداني المفاجئ يضع التوجهات الاستراتيجية لتوسيع التغطية الصحية أمام محك حقيقي، ويعيد طرح إشكال التوازن الحرج بين الحق الدستوري في العلاج ومنطق تسعير الخدمات في السوق الطبية الحرة.
ورغم أن هذه الزيادات تبدو، في ظاهرها، محدودة من حيث القيمة، حيث انتقلت كلفة الكشف الطبي لدى بعض الأطباء من حوالي 300 درهم إلى ما بين 350 و400 درهم، إلا أن انعكاساتها تتجاوز البعد الرقمي، لتنعكس بشكل مباشر على فئات واسعة من المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة ممن يضطرون إلى زيارات طبية متكررة ومنتظمة.
ويثير هذا التطور ملاحظة لافتة تتمثل في غياب أي تواصل أو توضيحات رسمية موجهة للمرضى بشأن هذه الزيادات، ما ساهم في خلق حالة من الغموض، وزاد من حدة الشعور بعدم الإنصاف، خصوصاً في عدد من المدن ، حيث تم تسجيل اعتماد متزايد لهذه التسعيرات، وسط توقعات بامتدادها إلى مدن أخرى.
غير أن الإشكال الأعمق، وفق ما يثيره هذا الجدل، لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل بالفجوة القائمة بين التكلفة الفعلية للاستشارة وما تعوضه أنظمة التأمين الإجباري عن المرض (AMO). فبينما قد تصل تكلفة الاستشارة إلى 400 درهم، لا تزال التعريفة المرجعية المعتمدة رسمياً في نظام التعويض لا تتجاوز 150 درهماً، وهو ما يفرض على المؤمنين أداء الفارق (الذي يتجاوز أحياناً 60% من الكلفة الإجمالية) من مواردهم الخاصة، في وضع يضعف الفعالية الاجتماعية لمنظومة الحماية الاجتماعية الحالية.
من جانبهم، يبرر مهنيو القطاع الخاص هذه الخطوة بالارتفاع الملموس في كلفة الممارسة الطبية، وتصاعد مصاريف إدارة العيادات، فضلاً عن الجمود الطويل الذي طال الاتفاقيات الوطنية والمراجعة القانونية للأتعاب، والتي كان يُفترض تحيينها بشكل دوري كل ثلاث سنوات وفقاً للقانون.
ويرى الأطباء أن جودة الخدمة الصحية وشراء المعدات المتطورة يفرض تدفقات مالية تتلاءم مع الواقع الاقتصادي الراهن وتضخم الأسعار.
هذا التباين في الرؤى يضع القطاع الصحي أمام معادلة دقيقة، تتعلق بمدى القدرة على التوفيق بين حق المهنيين في مراجعة أتعابهم، وبين ضمان ولوج عادل وميسر للخدمات الصحية لجميع المواطنين.
كما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة التعريفة المرجعية المعتمدة اليوم مع الواقع الفعلي للسوق الطبية، وإمكانية مراجعتها بما يعكس التحولات الجارية.
وفي المقابل، تتعالى دعوات جمعيات حماية المستهلك والهيئات النقابية إلى ضرورة تدخل الوكالة الوطنية للتأمين الصحي (ANAM) ووزارة الصحة والحمابة الاجتماعية، لتعزيز آليات المراقبة والتأطير داخل القطاع، مع فرض قدر أكبر من الشفافية في تحديد الأسعار، بهدف حماية المرضى من أي زيادات عشوائية غير مقننة، وضمان استقرار العلاقة بين الفاعلين في المنظومة الصحية.
وبين منطق الكلفة الاستثمارية للعيادات ومنطق الحق الإنساني في العلاج، يظل المريض في موقع هش داخل معادلة معقدة. إن إعادة التوازن داخل هذا القطاع عبر مراجعة شاملة ومستعجلة للتعريفة الوطنية المرجعية وتوقيع اتفاقيات جديدة، أصبحت ضرورة ملحة اليوم قبل أن تتحول الاستشارة الطبية من خدمة أساسية مدعومة إلى عبء مالي متزايد يفرغ جيوب الأسر ويقوض جهود الدولة في تعميم التغطية الصحية.




