لماذا لا يكفي سعر الصرف لقياس قيمة العملات تعرّف على تعادل القوة الشرائية ؟

قد يبدو الدولار بالقيمة نفسها تقريباً في مختلف أنحاء العالم عند النظر إلى سعر صرفه، لكن قدرته الفعلية على شراء السلع والخدمات تختلف بشكل كبير من اقتصاد إلى آخر.
فالمبلغ الذي يكفي لشراء وجبة في الولايات المتحدة قد يتيح شراء وجبتين أو أكثر في دولة ذات تكاليف معيشة أقل، بينما قد لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات اليومية في اقتصاد ترتفع فيه الأسعار.
هذه الفروقات تطرح سؤالاً أساسياً عند مقارنة الاقتصادات والعملات: هل يعكس سعر الصرف المتداول فعلاً القيمة الاقتصادية للعملة وقدرتها على شراء السلع والخدمات؟
من هنا تبرز أهمية تعادل القوة الشرائية (Purchasing Power Parity – PPP)، وهو مفهوم اقتصادي يستخدم لمقارنة القوة الشرائية للعملات وحجم الاقتصادات ومستويات الأسعار بين الدول، من خلال تجاوز التأثير المباشر لأسعار الصرف في الأسواق.
وتقوم الفكرة على مقارنة تكلفة السلع والخدمات نفسها في اقتصادات مختلفة، للوصول إلى سعر صرف نظري يفترض أن يجعل القوة الشرائية للعملتين متقاربة.
لا يهدف تعادل القوة الشرائية إلى تحديد السعر الذي يتم تداول العملات به في أسواق الصرف، وإنما يحاول تقدير السعر الذي يجعل العملتين متساويتين من حيث القدرة على شراء مجموعة متشابهة من السلع والخدمات.
وبصيغة أبسط، يجيب المؤشر عن سؤال افتراضي: كم يجب أن تساوي عملة مقابل أخرى إذا كان المبلغ نفسه يشتري الكمية ذاتها من السلع والخدمات في البلدين؟
وتستند هذه الفكرة إلى نظرية اقتصادية تفترض أن أسعار السلع والخدمات المتشابهة تميل على المدى الطويل إلى التقارب بين الدول بعد احتساب فروق أسعار الصرف.
غير أن هذا التقارب لا يتحقق بصورة كاملة في الواقع، بسبب وجود مجموعة واسعة من العوامل التي تؤثر في الأسعار المحلية وتمنع توحيدها بين الاقتصادات.
تتضح أهمية هذا المفهوم بصورة خاصة عند مقارنة الناتج المحلي الإجمالي للدول.
فعندما يتم تحويل الناتج المحلي لاقتصاد ما إلى الدولار باستخدام سعر الصرف السائد في السوق، فإن النتيجة تعكس قيمة العملة في أسواق الصرف، لكنها لا تأخذ بالضرورة في الاعتبار الفروقات الكبيرة في تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات بين الدول.
ولهذا السبب، يتم استخدام الناتج المحلي المحسوب وفق تعادل القوة الشرائية لإجراء مقارنات اقتصادية تأخذ في الاعتبار مستويات الأسعار المحلية، بما يسمح بتكوين صورة مختلفة عن حجم النشاط الاقتصادي.
وتوضح الصين هذه الفكرة بشكل لافت. فقد أشارت تقديرات سابقة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للصين عام 2019 بلغ نحو 22.5 تريليون دولار وفق تعادل القوة الشرائية، مقابل حوالي 20.5 تريليون دولار للولايات المتحدة.

في المقابل، بلغ الناتج الصيني نحو 14.3 تريليون دولار عند تحويله إلى الدولار باستخدام سعر الصرف السائد في السوق آنذاك.
ويعكس الفارق بين هذه الأرقام تأثير اختلاف مستويات الأسعار بين البلدين، إذ يمكن للدولار أن يشتري كمية أكبر من السلع والخدمات في بعض الاقتصادات مقارنة بالولايات المتحدة.
وبالتالي، فإن طريقة احتساب الناتج المحلي يمكن أن تغير بصورة كبيرة ترتيب وحجم الاقتصادات عند إجراء المقارنات الدولية.
وتستخدم مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي، بيانات تعادل القوة الشرائية في المقارنات بين اقتصادات العالم، خصوصاً عند دراسة الناتج والدخل ومستويات المعيشة والقوة الشرائية.
يعتمد احتساب تعادل القوة الشرائية على مقارنة تكلفة سلة من السلع والخدمات في مجموعة من الدول.
ويتم قياس أسعار هذه السلة في كل اقتصاد، ثم مقارنة النتائج للوصول إلى سعر صرف نظري يعكس الفارق في القوة الشرائية بين العملات.
فإذا كانت تكلفة السلع والخدمات أقل بكثير في دولة معينة مقارنة بالولايات المتحدة، فإن سعر الصرف المحسوب وفق تعادل القوة الشرائية سيكون مختلفاً بصورة ملحوظة عن السعر المتداول في الأسواق.
وتكون الفجوة بين السعرين عادة أكثر وضوحاً في الاقتصادات التي تختلف فيها مستويات الأسعار وتكاليف الخدمات بشكل كبير عن الاقتصادات المتقدمة.
ولا يقتصر استخدام المؤشر على الناتج المحلي، بل يمكن الاستفادة منه في تحليل مستويات الأسعار والقوة الشرائية، ودراسة أسعار الصرف الحقيقية والعلاقات الاقتصادية بين الدول.
لكن وجود فجوة بين سعر الصرف السوقي والسعر المحسوب وفق تعادل القوة الشرائية لا يعني أن العملة ستتحرك بالضرورة نحو المستوى النظري، لأن أسعار الصرف تتأثر أيضاً بأسعار الفائدة والتجارة الدولية وتدفقات رؤوس الأموال والسياسات النقدية والمالية وتوقعات المستثمرين وغيرها من العوامل.
ربما يكون مؤشر «بيغ ماك» أشهر تطبيق مبسط لفكرة تعادل القوة الشرائية، بعدما أطلقته مجلة «ذي إيكونوميست» عام 1986.
ويعتمد المؤشر على مقارنة سعر شطيرة «بيغ ماك» في مجموعة من الدول، باعتبار أن المنتج نفسه تقريباً متوافر في أسواق مختلفة، وهو ما يسمح باستخدامه كمثال مبسط لفهم الفروقات في القوة الشرائية.
وتتمثل الفكرة في مقارنة سعر الشطيرة بالعملة المحلية مع سعرها في الولايات المتحدة بعد تحويل العملة وفق سعر الصرف السائد.
ففي ديسمبر 2020، بلغ سعر «بيغ ماك» في الولايات المتحدة 5.66 دولار، بينما وصل سعره في الصين إلى 22.4 يوان، أي ما يعادل نحو 3.47 دولار وفق سعر الصرف السائد في ذلك الوقت.
ولا يعني هذا الاختلاف أن المنتج وحده يعكس مستوى المعيشة، بل يرتبط أيضاً بتكاليف الإنتاج والأجور والإيجارات وأسعار المدخلات والظروف الاقتصادية المحلية.
وأصبح هذا التطبيق يعرف بصورة غير رسمية باسم «اقتصاد البرغر» أو Burgernomics، وهو نموذج مبسط لا يحل محل مؤشرات تعادل القوة الشرائية الرسمية، لكنه يساعد على توضيح الفكرة للقارئ بصورة أكثر سهولة.
ترجع جذور المفهوم الحديث إلى الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، عندما شهد النظام النقدي العالمي اضطرابات كبيرة وتغيرات حادة في أسعار العملات.
ففي ظل نظام قاعدة الذهب، كانت العملات مرتبطة بقيمة محددة من الذهب، لكن الحرب دفعت عدداً من الدول إلى التخلي عن هذا النظام وزيادة إصدار النقود لتمويل الإنفاق، الأمر الذي ساهم في ارتفاع التضخم واضطراب قيمة العملات.
وفي أعقاب الحرب، اقترح الاقتصادي السويدي غوستاف كاسل استخدام قيم العملات قبل الحرب كأساس للمقارنة، ثم تعديلها وفق فروق معدلات التضخم للوصول إلى مستويات جديدة للتعادل بين العملات.
وساهمت هذه الفكرة في تطوير الأساس النظري لمفهوم تعادل القوة الشرائية بصورته المستخدمة في التحليل الاقتصادي الحديث.
رغم أن الفكرة الأساسية لتعادل القوة الشرائية تقوم على احتمال تقارب الأسعار، فإن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيداً، إذ توجد عوامل عديدة تمنع توحيد أسعار السلع والخدمات عالمياً.
في مقدمة هذه العوامل تأتي تكاليف النقل والضرائب والرسوم الجمركية، التي يمكن أن تجعل السلعة نفسها أكثر تكلفة في دولة مقارنة بأخرى، خصوصاً عندما تعتمد على الاستيراد.
كما أن هناك سلعاً وخدمات لا يمكن نقلها بسهولة عبر الحدود، مثل العقارات والحلاقة وبعض الخدمات المحلية، وبالتالي تبقى أسعارها مرتبطة بالعرض والطلب وظروف سوق العمل وتكاليف المعيشة داخل كل اقتصاد.
وتؤثر كذلك درجة انفتاح الأسواق في فروق الأسعار، إذ يمكن للتجارة الدولية والتجارة الإلكترونية ومنصات التسوق العابرة للحدود أن تسهل الوصول إلى منتجات بأسعار مختلفة، لكنها لا تلغي جميع الفروقات بين الاقتصادات.
أما تقلبات أسعار الصرف فتضيف عاملاً آخر إلى المعادلة، إذ يمكن لتحرك عملة رئيسية مثل الدولار أن يغير تكلفة السلع المستوردة ويؤثر في القوة الشرائية للمستهلكين.
في المحصلة، لا يمثل تعادل القوة الشرائية سعراً بديلاً لسعر الصرف الذي تحدده الأسواق بشكل يومي، وإنما يقدم مقياساً نظرياً للقوة الشرائية يسمح بإجراء مقارنات أكثر دقة بين الدول.
وتبرز أهمية المؤشر عندما تكون الفروقات في تكاليف المعيشة والأسعار كبيرة، إذ يمكن أن يعطي صورة مختلفة عن حجم الاقتصادات مقارنة بالحسابات التي تعتمد فقط على أسعار الصرف السوقية.
وبذلك، يوفر تعادل القوة الشرائية زاوية أخرى لفهم قيمة العملات وحجم الاقتصادات، من خلال التركيز ليس فقط على مقدار ما تساويه العملة في سوق الصرف، وإنما أيضاً على مقدار السلع والخدمات التي يمكنها شراءها داخل الاقتصاد.




