الاقتصاديةالتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي ينقل الشركات من الإنتاج الفردي إلى المعرفة المشتركة

لم يعد الذكاء الاصطناعي داخل الشركات مجرد أداة تساعد الموظف على إنجاز مهمة أسرع أو اختصار ساعات من البحث، بل بدأ يغيّر الطريقة التي تُنتج بها المعرفة وتتخذ بها القرارات داخل فرق العمل.

ففي الوقت الذي يستطيع فيه الموظف الحصول خلال دقائق على تحليل أو مقترح كان يتطلب وقتاً طويلاً لإنجازه، قد تصل النتيجة إلى بقية الفريق في صورة نهائية لا تكشف بالضرورة كيف تم التوصل إليها، أو ما المصادر التي استندت إليها، أو الفرضيات التي جرى اختبارها، أو الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى تحقق.

وهنا تبرز إحدى المعضلات الجديدة التي تفرضها أدوات الذكاء الاصطناعي على بيئة العمل: كلما ارتفعت قدرتها على تنفيذ المهام وحل المشكلات، أصبح جزء أكبر من عملية التفكير بعيداً عن بقية أعضاء الفريق.

بدأ انتشار الذكاء الاصطناعي في الشركات من بوابة الاستخدام الفردي، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى سهولة دمج هذه الأدوات في المهام اليومية. إذ يستطيع الموظف استخدام نموذج ذكاء اصطناعي لإعداد مسودة بريد إلكتروني، أو تلخيص تقرير، أو تحليل بيانات، دون الحاجة إلى تغيير إجراءات العمل أو الحصول على موافقات من بقية الفريق.

لكن سهولة هذا النموذج قد تكون أيضاً أحد أسباب محدودية تأثيره على المؤسسة ككل.

وأظهرت تجربة واسعة شملت 66 شركة أن إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للموظفين ساعدت على توفير الوقت على المستوى الفردي، لكن الباحثين لم يجدوا تحولاً أوسع في حجم المهام التي ينفذها العاملون أو طبيعتها.

ويشير ذلك إلى فجوة بين زيادة إنتاجية الموظف وبين إعادة تصميم طريقة عمل المؤسسة بأكملها. فالذكاء الاصطناعي قد يجعل شخصاً واحداً أسرع، من دون أن يجعل الفريق بالضرورة أكثر تنسيقاً أو قدرة على الاستفادة من العمل الذي أنجزه ذلك الشخص.

ولا تقتصر أهمية التعاون على تبادل النتائج. فعندما يعمل الموظفون معاً على مشكلة ما، فإنهم يتبادلون أيضاً الافتراضات والأساليب التي جُربت ولم تنجح والمصادر المستخدمة والأسئلة التي لا تزال بلا إجابة.

وإذا انتقلت هذه العملية بصورة متزايدة إلى محادثات خاصة مع أدوات الذكاء الاصطناعي، فقد تفقد المؤسسة جزءاً من المعرفة التي كانت تتشكل بصورة طبيعية داخل فرق العمل.

لا يعني ذلك أن كل استخدام للذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مكشوفاً أمام الزملاء أو أن الموظف مطالب بمشاركة سجل محادثاته بالكامل.

المسألة الأساسية تتعلق بتحديد اللحظة التي يتحول فيها العمل من نشاط شخصي إلى مدخل تعتمد عليه مهمة جماعية أو قرار مؤسسي.

فعندما تصبح نتيجة الذكاء الاصطناعي أساساً لقرار أو تقرير أو مهمة يتعين على موظف آخر استكمالها، يصبح من الضروري توفير قدر كافٍ من السياق يسمح بفهم النتيجة ومراجعتها، من دون الحاجة إلى كشف كل تجربة أو سؤال أولي أجراه المستخدم.

ويحاول باحثون في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» اختبار هذا التوازن من خلال نموذج أولي يحمل اسم «InquiryBits»، يتيح مشاركة أجزاء محددة من آثار محادثات المستخدمين مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

وفي دراسة شملت 80 متخصصاً ونُشرت نتائجها الأولية في يونيو 2026، أظهر المشاركون استعداداً واسعاً لمشاركة هذه الآثار داخل مجموعات محددة، لكن درجة تقبلهم انخفضت مع اتساع دائرة الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى تلك المعلومات.

ويكشف ذلك عن معادلة دقيقة: مشاركة قدر ضئيل جداً من السياق قد تجعل مراجعة العمل صعبة، بينما قد يؤدي الإفراط في المشاركة إلى إثارة مخاوف تتعلق بالخصوصية.

شهدت بيئة العمل تحولاً مشابهاً في السابق مع تطور البرمجيات التعاونية. فقد انتقلت المستندات من ملفات محفوظة على أجهزة فردية إلى مساحات مشتركة يستطيع عدة موظفين تعديلها ومراجعتها في الوقت نفسه.

ويبدو أن أدوات الذكاء الاصطناعي تسير في اتجاه مشابه، مع انتقالها تدريجياً من نوافذ محادثة خاصة إلى بيئات يستطيع الفريق من خلالها متابعة المهمة نفسها ومراجعة ما أنجزه النظام.

وقد وصفت شركة «واي كومبيناتور» هذا التحول بأنه «اللحظة متعددة المستخدمين للذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى انتقال التكنولوجيا من الاستخدام الفردي إلى مساحات أكثر تعاوناً.

لكن النموذج الجديد قد يكون أوسع من مجرد السماح لأكثر من شخص بمشاهدة المحادثة نفسها. فمن الممكن أن يعمل فريق كامل مع وكيل ذكي على مهمة واحدة، ثم تنتقل المهمة بين الموظفين مع الاحتفاظ بسجل للقرارات التي اتُخذت والأسئلة التي لم تحسم والعمليات التي نفذها النظام.

وبمرور الوقت، يمكن لهذا السجل أن يتحول إلى نوع من الذاكرة المؤسسية التي يستفيد منها الموظفون والأنظمة الذكية على حد سواء.

وتظهر بعض ملامح هذا الاتجاه في أدوات موجودة بالفعل. إذ تتيح «Miro AI Flows» للفرق تطوير وتشغيل سير العمل داخل مساحة مشتركة، بدلاً من نقل النتائج من محادثات خاصة إلى منصات العمل الجماعي.

وفي قطاع البرمجيات، يعمل وكيل «Copilot» السحابي من «GitHub» في الخلفية مع الاحتفاظ بخطوات البحث والخطة والتعديلات التي أجراها، ما يمنح المطورين إمكانية مراجعة العمل والتغييرات قبل دمجها.

ولا يعني هذا أن على الموظفين متابعة كل خطوة ينفذها الذكاء الاصطناعي، وإنما الاحتفاظ بالقدر الضروري من السياق الذي يسمح بفهم ما تغير وتقييم النتيجة وتحديد ما ينبغي فعله لاحقاً.

تزداد أهمية هذا النموذج مع انتقال الشركات من روبوتات المحادثة التي تقدم إجابات إلى وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ سلسلة من المهام بصورة أكثر استقلالية.

فكلما زادت صلاحيات النظام، أصبح من المهم أن يكون ما يفعله قابلاً للتتبع والمراجعة. وقد لا تكون المشكلة في النتيجة النهائية وحدها، وإنما في القرارات التي اتخذها الوكيل للوصول إليها، والبيانات التي اعتمد عليها، والخيارات التي استبعدها.

وفي بيئة خاصة، قد تبقى هذه التفاصيل بعيدة عن بقية الفريق. لكن إذا تعطلت المهمة أو ظهرت نتيجة غير متوقعة، فقد يجد الزملاء أنفسهم أمام مخرجات يصعب تفسيرها أو إعادة بناء المسار الذي أدى إليها.

ومن هنا تتحول الشفافية من مسألة تنظيمية إلى جزء من حوكمة الذكاء الاصطناعي. فوجود سجل مشترك يمكن أن يساعد الفرق على تدقيق العمل، وتحديد المسؤوليات، وتسهيل تسليم المهام، ومعرفة الأشخاص الذين شاركوا في اتخاذ القرارات أو تعديل النتائج.

ومع منح الوكلاء صلاحيات أكبر، تبرز كذلك قضايا الأذونات والملكية ونسب المساهمة والمسؤولية عن النتائج باعتبارها عناصر ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم بيئات العمل الجديدة.

لا تحتاج المؤسسات بالضرورة إلى إنشاء منصات جديدة بالكامل حتى تجعل استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر شفافية. ففي كثير من الحالات، يمكن لأنظمة المستندات المشتركة وإدارة المشاريع ومسارات الموافقة الموجودة بالفعل أن توفر البنية الأساسية المطلوبة.

لكن الأهم هو تحديد متى يجب نقل العمل من المساحة الشخصية للموظف إلى مساحة مشتركة.

ويمكن للفرق الاستناد إلى أربعة أسئلة عملية:

أولاً: هل سيعتمد شخص آخر على العمل؟
إذا كان موظف آخر سيحتاج إلى استكمال المهمة أو البناء على النتيجة، فإن توفير السياق يصبح أكثر أهمية.

ثانياً: هل قد تكون هناك حاجة إلى مراجعة العمل لاحقاً؟
إذا كان من المحتمل إعادة فحص النتيجة أو معرفة المصادر والخطوات التي اعتمد عليها الذكاء الاصطناعي، فمن المفيد الاحتفاظ بسجل مناسب.

ثالثاً: هل تحتاج النتيجة إلى موافقة؟
عندما يكون القرار بحاجة إلى مراجعة مدير أو جهة مسؤولة، ينبغي أن يكون السياق الذي يستند إليه القرار متاحاً بالقدر الكافي.

رابعاً: هل سينفذ الذكاء الاصطناعي إجراءً فعلياً؟
تزداد أهمية الشفافية عندما ينتقل النظام من تقديم توصية إلى تعديل نظام أو التواصل مع عميل أو تنفيذ مهمة مباشرة.

أما الاستخدامات الأولية، مثل توليد الأفكار أو صياغة مسودة شخصية، فقد لا تستدعي المستوى نفسه من المشاركة. لكن كلما زادت اعتماد المهمة على الآخرين أو ارتفعت آثارها العملية، زادت الحاجة إلى وجود سجل مشترك.

تتجه المؤسسات تدريجياً إلى مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية الأساسية لسير العمل، وليس مجرد أداة شخصية لرفع الإنتاجية.

وقد لعبت المحادثات الخاصة دوراً مهماً في المرحلة الأولى، لأنها وفرت مساحة سريعة للتجربة واختبار الأفكار وإنجاز المهام الفردية. لكن عندما تصبح النتيجة أساساً لقرار جماعي أو مهمة يتسلمها موظف آخر أو إجراء تتحمل المؤسسة مسؤوليته، فإن الاحتفاظ بها داخل محادثة خاصة قد لا يكون كافياً.

وهنا قد يكمن التحول الأهم في المرحلة المقبلة: لن تكون القضية فقط أي نموذج ذكاء اصطناعي تستخدمه المؤسسة، وإنما كيف تحول العمل الذي ينتجه هذا النموذج إلى معرفة مشتركة قابلة للمراجعة وإعادة الاستخدام.

فالاستفادة المؤسسية من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند الحصول على إجابة أسرع، بل تمتد إلى القدرة على فهم كيفية الوصول إليها، والتحقق منها، ونقلها بين أعضاء الفريق، والبناء عليها، وتحديد المسؤولية عن القرارات التي تُتخذ استناداً إليها.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى