الاقتصاديةالتكنولوجيا

عندما تصبح الدولة شريكًا في وادي السيليكون.. صعود نموذج الملكية السيادية للذكاء الاصطناعي

لم تعد النقاشات حول الذكاء الاصطناعي محصورة في حدود الابتكار التقني أو المنافسة بين الشركات، بل انتقلت سريعًا إلى قلب الجدل السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة، حيث تتقاطع أسئلة الثروة والسلطة والتنظيم في لحظة واحدة.

وفي هذا السياق، عاد السيناتور بيرني ساندرز ليطرح من جديد رؤية نقدية حادة تجاه بنية الاقتصاد الرقمي، معتبرًا أن صعود عمالقة التكنولوجيا لم يكن ممكنًا دون جهد جماعي واسع، بينما تذهب العوائد في النهاية إلى قلة متركزة من أثرياء “سيليكون فالي”.

هذا الطرح وجد صداه في تطور لافت داخل القطاع نفسه، إذ كشفت تقارير صحفية أن شركة “أوبن إيه آي” تبحث مع الحكومة الأمريكية إمكانية منحها حصة ملكية طوعية تبلغ 5%، في خطوة قد تمثل تحولًا غير مسبوق في علاقة الدولة بالشركات التقنية الكبرى.

وتشير هذه المبادرة، التي يقودها الرئيس التنفيذي سام ألتمان، إلى استراتيجية متعددة الأبعاد: تخفيف الضغوط التنظيمية والسياسية المتزايدة في واشنطن، وتأمين مظلة استقرار قانوني في مرحلة تستعد فيها الشركة لطرح عام أولي قد تصل قيمته إلى نحو تريليوني دولار.

ويأتي ذلك في بيئة دولية تتصاعد فيها المخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني والتوازنات الجيوسياسية، بالتوازي مع توجه أمريكي متنامٍ نحو تعزيز دور الدولة داخل القطاعات الاستراتيجية الحساسة.

وفق ما أوردته التقارير، فإن “أوبن إيه آي” تدرس منح الحكومة الأمريكية حصة نسبتها 5% بشكل طوعي، ضمن مقاربة تهدف إلى تقليل الاحتكاك مع الجهات التنظيمية الفيدرالية وتفادي صدامات سياسية محتملة.

ولا يبدو أن هذا التوجه سيقتصر على شركة واحدة، إذ يطرح التصور نفسه كإطار أوسع يمكن أن يشمل شركات كبرى أخرى مثل “غوغل” و“ميتا” و“أنثروبيك”، عبر نماذج شبيهة من الانخراط السيادي.

وتُقدَّر قيمة هذه الحصة بنحو 42.6 مليار دولار استنادًا إلى تقييم الشركة الأخير البالغ 852 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها بشكل كبير في حال نجاح الطرح العام الأولي والوصول إلى سقف تقييم يقترب من تريليوني دولار.

بدأت ملامح هذا التوجه في الظهور مطلع عام 2025، عندما طرح سام ألتمان فكرة إنشاء إطار استثماري سيادي مشترك خلال لقاءات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومع مرور الوقت، تحولت الفكرة من مجرد نقاشات أولية إلى مسار سياسي أكثر تنظيمًا، تُوِّج بارتباطها بورقة سياسات نُشرت في أبريل 2026 تحت عنوان “السياسة الصناعية لعصر الذكاء”.

يقترح النموذج المطروح إدارة هذه الحصص عبر صندوق استثماري سيادي شبيه بـ“صندوق ألاسكا الدائم”، الذي يعتمد على استثمار عوائد الموارد الطبيعية وتوزيع جزء منها مباشرة على المواطنين.

ووفق هذا التصور، فإن عوائد الذكاء الاصطناعي لن تبقى حكرًا على الشركات، بل ستتحول إلى مصدر دخل عام يعاد توزيعه على شكل مدفوعات نقدية للأسر الأمريكية.

في المقابل، تسعى “أوبن إيه آي” من خلال هذا التقارب إلى تخفيف ضغوط متزايدة تتعلق بالاستهلاك الكبير لمراكز البيانات، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالأمن السيبراني وسلامة النماذج المتقدمة. وتشير تقارير إلى أن الشركة وافقت مؤخرًا على تأجيل إطلاق النسخة الكاملة من نموذج GPT-5.6، استجابة لطلب حكومي يهدف إلى إخضاعه لمراجعات أمنية موسعة قبل الإطلاق.

هذا التحول يعكس اتجاهًا أوسع في السياسة الاقتصادية الأمريكية، حيث بدأت الدولة تنتقل من دور المنظم الخارجي إلى شريك مباشر في ملكية بعض الشركات الاستراتيجية.

ففي عام 2025، استحوذت الحكومة الأمريكية على حصة تقارب 9.9% في شركة “إنتل” ضمن صفقة دعم وتمويل، كما فرضت ترتيبات مالية تضمن لها جزءًا من عوائد صادرات الرقائق المتقدمة إلى الصين التي تنتجها شركات مثل “إنفيديا” و“إيه إم دي”.

في موازاة ذلك، يطرح السيناتور بيرني ساندرز مشروعًا أكثر جذرية، يقوم على فرض ضريبة تُسدد على شكل أسهم بدلًا من النقد على الشركات التي تتجاوز إيراداتها من الذكاء الاصطناعي 200 مليون دولار سنويًا.

وتُجمع هذه الأسهم في صندوق سيادي ضخم قد تصل قيمته إلى 7 تريليونات دولار، على أن تُستخدم عوائده لتقديم مدفوعات مباشرة قد تتجاوز 1000 دولار سنويًا لكل مواطن أمريكي.

ورغم ما يحمله هذا الطرح من وعود اجتماعية، يرى منتقدون أن دخول الدولة كمساهم في الشركات التي يفترض أن تنظمها قد يخلق تضارب مصالح معقدًا يهدد حياد السوق ويضعف بيئة المنافسة. كما تحذر جهات مدنية من احتمال تراجع الصرامة التنظيمية في مجال السلامة والأمن التقني، خشية التأثير على قيمة الاستثمارات السيادية.

وفي ظل استعداد “أوبن إيه آي” لطرح عام أولي قد يُرجأ حتى عام 2027، يبدو أن شكل العلاقة المستقبلية بين الدولة والقطاع الخاص سيصبح عاملًا حاسمًا في تحديد ليس فقط تقييم الشركة، بل أيضًا ملامح النظام الاقتصادي الجديد للذكاء الاصطناعي.

وهكذا، تتجه الولايات المتحدة نحو مرحلة تتداخل فيها حدود السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، لتتحول فيها أسئلة الملكية من “من يبتكر؟” إلى سؤال أعمق وأكثر حساسية: من يملك مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى