الاقتصادية

ساعات رولكس تتحول إلى أصول نادرة والسوق الثانوية تفرض أسعارًا قياسية

في عالم الساعات الفاخرة، لم تعد القيمة تقاس فقط بما يظهر على قرص الساعة أو بوزن الذهب والفولاذ المستخدم في صناعتها، بل أصبحت مرتبطة بمدى صعوبة الحصول عليها، وقدرتها على الاحتفاظ بقيمتها، والفارق بين السعر الذي تحدده الشركة والسعر الذي يفرضه السوق.

وتجسد «رولكس» هذه المعادلة بشكل واضح، بعدما تحول عدد من طرازاتها إلى أصول مطلوبة بشدة في السوق الثانوية، في وقت يواجه فيه المشترون الراغبون في اقتنائها عبر القنوات الرسمية قوائم انتظار قد تمتد لسنوات.

وعلى الرغم من إنتاج العلامة السويسرية نحو 1.15 مليون ساعة سنويًا، فإن حجم الطلب العالمي لا يزال يفوق المعروض بالنسبة إلى العديد من الطرازات، ما جعل امتلاك ساعة معينة يتطلب في بعض الحالات أكثر من مجرد القدرة على دفع ثمنها.

تبدأ أسعار ساعات «رولكس» رسميًا من نحو 6200 دولار، إلا أن هذا السعر لا يعكس دائمًا ما يدفعه المستهلك فعليًا للوصول إلى الطراز الذي يرغب فيه.

فمحدودية المعروض من بعض الإصدارات، إلى جانب الطلب المرتفع عليها، جعلت قوائم الانتظار عنصرًا أساسيًا في سوق العلامة. كما أن الحصول على ساعة عبر وكيل معتمد لا يرتبط بالضرورة بأسبقية التسجيل فقط، إذ قد تؤثر العلاقة التجارية السابقة وسجل المشتريات في فرص الوصول إلى الطرازات الأكثر ندرة.

Rare Rolex Milgauss Fetches Record $2.5 Million at Auction | BoF

وبذلك أصبح شراء «رولكس» بالنسبة إلى بعض العملاء رحلة طويلة تبدأ ببناء علاقة مع الوكيل وتنتهي بالحصول على ساعة قد تكون قيمتها في السوق أعلى بكثير من سعرها الرسمي.

مع طول فترات الانتظار، اكتسبت السوق الثانوية أهمية متزايدة، وأصبحت بالنسبة إلى كثير من المشترين الطريق الأسرع للحصول على ساعات «رولكس» المطلوبة.

وتشير البيانات إلى تداول نحو 2500 ساعة مستعملة من العلامة يوميًا عبر منصات رقمية معتمدة وأخرى مستقلة، فيما يقبل المشترون على دفع علاوات سعرية مقابل تجاوز قوائم الانتظار والحصول على الساعة بشكل فوري.

وفي حالة بعض الإصدارات النادرة، يمكن أن تصل الأسعار في السوق الثانوية إلى مئات الآلاف من الدولارات، ما يحول الساعة من منتج فاخر إلى أصل قابل للتداول والاستثمار.

تعكس قوة «رولكس» حجم الإيرادات التي تحققها العلامة، إذ تقدر مؤسسات التحليل المالي إيراداتها السنوية بنحو 11 مليار فرنك سويسري، أي ما يعادل حوالي 13.4 مليار دولار.

لكن نفوذ الشركة لا يتوقف عند سوق التجزئة، حيث تهيمن «رولكس» أيضًا على سوق الساعات الفاخرة المستعملة، بحصة تناهز 41% من إجمالي حجم التداول العالمي.

وخلال النصف الأول من عام 2026، بلغ حجم التداول في سوق الساعات الفاخرة المستعملة نحو 800 ألف ساعة، بقيمة إجمالية قاربت 10 مليارات دولار، بينما جاءت «باتيك فيليب» في المركز الثاني بحصة سوقية بلغت نحو 14%.

شهدت أسعار ساعات «رولكس» في السوق الثانوية ارتفاعًا استثنائيًا خلال السنوات الماضية، مدفوعة بموجة الطلب القوية التي رافقت جائحة «كوفيد-19».

فقد ارتفع متوسط سعر أحدث 30 طرازًا من نحو 16 ألف دولار في عام 2017 إلى مستوى قياسي بلغ 41 ألف دولار في أبريل 2022.

Rolex Secondary Prices, Reference by Reference

غير أن السوق دخلت بعد ذلك مرحلة مختلفة، مع تحسن سلاسل الإمداد وعودة كميات أكبر من الساعات إلى التداول، بالتزامن مع تراجع المضاربات التي اتسمت بها فترة الجائحة.

وساهمت هذه العوامل في تهدئة الأسعار خلال عام 2023، بعدما فقدت السوق جزءًا من الزخم الاستثنائي الذي سجلته خلال ذروة الطلب.

ورغم التصحيح الذي شهدته السوق الثانوية، بدأت الأسعار في استعادة بعض الزخم خلال 2026.

ويتابع مؤشر «WatchCharts Rolex Market Index» متوسط أداء أسعار 30 طرازًا رئيسيًا من «رولكس»، وقد سجل 27,991 دولارًا حتى نهاية سبتمبر 2026، بزيادة سنوية بلغت 5.2%.

ويشير هذا التطور إلى استمرار جاذبية العلامة في السوق الثانوية، رغم التفاوت الكبير في أداء الأسعار بين الطرازات المختلفة.

يبرز طراز «Cosmograph Daytona» الفولاذي كأحد أوضح الأمثلة على الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الذي يفرضه السوق.

ففي حين يبلغ سعر التجزئة الرسمي للساعة نحو 16,900 دولار، يصل متوسط سعرها في السوق الثانوية إلى حوالي 34,441 دولارًا، أي أكثر من ضعف السعر الذي تحدده الشركة.

ولا تقتصر هذه الفوارق على «دايتونا»، إذ تختلف مستويات العلاوة من طراز إلى آخر بحسب قوة الطلب والندرة ومدى توافر الساعة لدى الوكلاء.

الطرازسعر السوق الثانوية بالدولارسعر التجزئة الرسمي بالدولار
سبمارينر ستاربكس14,40611,900
إكسبلورر8,6748,350
داي دات47,25645,900
جي إم تي ماستر 216,93311,800

وتكشف هذه المقارنة أن السعر الرسمي لا يمثل بالضرورة السعر الحقيقي الذي يواجهه المشتري في السوق، خصوصًا بالنسبة إلى النماذج التي تتمتع بقاعدة واسعة من هواة الجمع.

من المفارقات التي تميز سوق «رولكس» أن بعض الساعات المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ تحظى بطلب أقوى من إصدارات أكثر تكلفة مصنوعة من المعادن النفيسة.

وتعود هذه الظاهرة إلى الشعبية الكبيرة لبعض الطرازات الفولاذية بين هواة الجمع والمستثمرين، إضافة إلى محدودية المعروض منها.

وفي بعض الحالات، قد تكون ساعات ثنائية اللون أو مزينة بالألماس متاحة لدى الوكلاء بسهولة أكبر من نماذج فولاذية بسيطة، ما يؤكد أن ندرة الساعة لا تحددها تكلفة المواد الخام المستخدمة في تصنيعها فقط.

تعتمد «رولكس» على شبكة من الوكلاء المستقلين لتوزيع منتجاتها، من خلال نظام الجملة وتخصيص حصص سنوية، بدلًا من بيع معظم الإنتاج مباشرة عبر متاجر مملوكة للشركة.

ويمنح هذا النموذج الوكلاء دورًا مهمًا في تحديد كيفية توزيع الساعات الأكثر طلبًا، فيما لا تعتمد قوائم الانتظار بالضرورة على أسبقية التسجيل فقط.

فالعلاقة التجارية مع الوكيل وسجل المشتريات السابق يمكن أن يكونا عاملين مؤثرين في فرص الحصول على بعض الطرازات، الأمر الذي يجعل شراء ساعة معينة عملية تتطلب صبرًا وعلاقة طويلة الأجل، وليس مجرد توفر السيولة اللازمة.

كان لجائحة «كوفيد-19» تأثير واضح على سوق الساعات الفاخرة، بعدما وجد المستهلكون أنفسهم أمام قيود واسعة على السفر والإنفاق على التجارب والخدمات، ما دفع جزءًا من الإنفاق نحو السلع الكمالية.

وارتفعت صادرات الساعات السويسرية إلى مستوى قياسي بلغ 26.7 مليار فرنك سويسري في عام 2023، مقابل 21.7 مليار فرنك في 2019.

وساهم ارتفاع الطلب خلال تلك الفترة، إلى جانب محدودية العرض، في تعزيز النظرة إلى الساعات الفاخرة باعتبارها أصولًا مادية قابلة لإعادة البيع، خاصة بالنسبة إلى العلامات والطرازات التي تتمتع بسجل قوي في الحفاظ على قيمتها.

لا يتحدد السعر الاستثماري للساعة باسم العلامة أو الطراز فقط، إذ تلعب حالتها الفنية دورًا أساسيًا، إلى جانب توفر الصندوق الأصلي والوثائق والفواتير وسجل الصيانة وأصالة المكونات.

وتزداد قيمة الساعات التاريخية بشكل خاص عندما تكون مرفقة بمستنداتها الأصلية، إذ يمكن أن تتضاعف قيمتها في بعض المزادات مرتين إلى ثلاث مرات، بحسب ندرة الساعة وحالتها وتاريخها.

وهكذا، تكشف سوق «رولكس» أن امتلاك ساعة فاخرة لم يعد مجرد اقتناء لمنتج استهلاكي، بل قد يتحول إلى قرار مالي تحكمه الندرة والطلب والسيولة وقابلية إعادة البيع.

وبين انتظار قد يمتد لسنوات لدى الوكيل الرسمي، ودفع علاوة مرتفعة في السوق الثانوية، يواجه المشتري معادلة واضحة: إما الصبر للحصول على السعر الرسمي، أو دفع تكلفة إضافية مقابل الوصول السريع إلى الساعة.

وفي سوق أصبحت فيها بعض الساعات أقرب إلى الأصول الاستثمارية منها إلى المنتجات الفاخرة التقليدية، يبقى السؤال الأهم أمام المشترين هو ما إذا كانت السرعة تستحق هذه العلاوة، أم أن الانتظار قد يكون في حد ذاته أفضل استثمار.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى