أسعار المحروقات تضع الحكومة المقبلة أمام اختبار القدرة الشرائية

يعود ملف المحروقات إلى صدارة النقاش الاقتصادي والاجتماعي في المغرب، مع تصاعد المطالب المطالبة بالحد من ارتفاع أسعار البنزين والغازوال، في وقت يترقب فيه الشارع ملامح المرحلة الحكومية المقبلة وما إذا كانت ستتجه إلى اعتماد إجراءات مباشرة للتخفيف من كلفة الوقود على الأسر والمهنيين.
وتزامن تجدد النقاش مع ارتفاع أسعار المحروقات مع بداية شهر أكتوبر، وهو ما أعاد ملف الأسعار إلى الواجهة، خصوصاً في ظل ارتباط الوقود بشكل مباشر بتكاليف النقل والإنتاج، وانعكاس أي تغير في أسعاره على عدد من السلع والخدمات.
وتطالب أصوات متزايدة عبر منصات التواصل الاجتماعي بتدخل حكومي أكثر وضوحاً، يصل في بعض الدعوات إلى تسقيف أسعار البنزين والغازوال، بهدف الحد من تأثير تقلباتها على ميزانيات الأسر والحفاظ على قدرتها الشرائية.
ولا ينحصر الجدل الدائر في مستوى أسعار الوقود عند محطات التوزيع، بل يتجاوز ذلك إلى تأثيراتها غير المباشرة على الاقتصاد، بالنظر إلى الدور الذي يلعبه النقل في مختلف مراحل إنتاج وتوزيع السلع والخدمات.
ويعتبر عدد من المواطنين أن ارتفاع كلفة المحروقات ينعكس على مصاريف النقل والإنتاج، وبالتالي قد ينتقل جزء من هذه الزيادة إلى أسعار المنتجات والخدمات، ما يزيد من الضغوط التي تواجهها الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وفي المقابل، يطرح النقاش سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بالأداة التي يمكن أن تعتمدها الحكومة للتعامل مع هذه التطورات، في ظل اشتغال سوق المحروقات ضمن منظومة تقوم أساساً على حرية الأسعار والمنافسة.
ويكتسي مطلب تسقيف أسعار المحروقات حساسية خاصة بالنظر إلى الإطار القانوني والاقتصادي المنظم للأسعار في المغرب، والذي يتيح في حالات محددة إمكانية تدخل السلطات لتحديد أسعار بعض السلع والخدمات، وفق الشروط والضوابط المنصوص عليها.
وبالتالي، فإن أي توجه نحو اعتماد آلية مباشرة للتحكم في أسعار المحروقات سيجد نفسه أمام معادلة تجمع بين حماية المستهلك من تقلبات الأسعار، والحفاظ في الوقت نفسه على قواعد المنافسة والتوازنات الاقتصادية.
ولا يتعلق الأمر فقط باختيار سقف سعري، وإنما أيضاً بكيفية تمويل أي إجراء محتمل، ومدى قدرته على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساته على السوق وعلى مختلف الفاعلين في قطاع المحروقات.
ويكتسب ملف المحروقات أهمية إضافية في سياق المرحلة السياسية الجديدة وتشكيل الحكومة المقبلة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، إذ قد تجد السلطة التنفيذية نفسها أمام مطالب اجتماعية واقتصادية متزايدة بشأن القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يشكل ملف الوقود أحد الملفات التي ستفرض نفسها على أجندة الحكومة، ليس فقط بسبب الدعوات إلى تسقيف الأسعار، وإنما أيضاً بسبب التأثير المتشعب للمحروقات على النقل والفلاحة والصناعة والخدمات وتكاليف توزيع المنتجات.
ويبقى أمام الحكومة أكثر من خيار للتعامل مع هذا الملف، بدءاً من التدخل المباشر في آلية الأسعار، وصولاً إلى اعتماد إجراءات تستهدف تخفيف أثر ارتفاع كلفة الوقود على بعض الفئات والقطاعات، أو البحث عن آليات أخرى أكثر ارتباطاً بمحددات الأسعار الداخلية.
وتزداد تعقيدات الملف بالنظر إلى ارتباط السوق المغربية بالأسواق النفطية العالمية. فالمغرب يعتمد على استيراد المنتجات النفطية السائلة، ما يجعل الأسعار المحلية مرتبطة بدرجة كبيرة بتطورات الأسواق الدولية وتكاليف الاستيراد.
وكان مجلس المنافسة قد أشار في مارس 2026 إلى تعرض السوق المغربية لتقلبات الأسعار الدولية، بالتزامن مع تعزيز آليات مراقبة كيفية انتقال تغيرات الأسعار العالمية للمنتجات النفطية إلى السوق الوطنية.
ويضع هذا المعطى الحكومة أمام تحدي تحقيق توازن دقيق بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين والاستجابة للمطالب المرتبطة بأسعار المحروقات، وبين احترام قواعد السوق والحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية.
وبذلك، يبدو أن ملف المحروقات مرشح للبقاء ضمن أبرز الملفات الاقتصادية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع استمرار حساسية أسعار الوقود لدى الأسر والمهنيين، وارتباطها المباشر بتكاليف النقل والإنتاج والأسعار.
وسيكون التحدي الأساسي أمام الحكومة هو تحديد الأدوات الأكثر ملاءمة لاحتواء تداعيات التقلبات النفطية دون خلق اختلالات جديدة داخل السوق.




