دراسة تكشف استمرار فجوة المهارات رغم إصلاحات منظومة التكوين المهني بالمغرب

لم يعد التكوين المهني بالمغرب مجرد مسار لإعداد اليد العاملة، بل أصبح جزءا من رؤية استراتيجية تروم بناء كفاءات قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
وخلال السنوات الأخيرة، عرف هذا القطاع تحولا لافتا في فلسفة تدبيره، بعدما انتقل من مقاربة إدارية تقليدية إلى نموذج جديد يقوم على الحكامة التشاركية، وتعزيز الدور الجهوي، وربط التكوين بحاجيات المقاولات ومتطلبات سوق الشغل.
غير أن هذا التحول، رغم ما حمله من إصلاحات مؤسساتية وهيكلية، ما يزال يصطدم بمجموعة من الإكراهات التي تحد من تحقيق الملاءمة المنشودة بين المهارات التي تنتجها مؤسسات التكوين ومتطلبات الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل استمرار تحديات إدماج الشباب في سوق العمل.
وكشفت دراسة أكاديمية حديثة تحمل عنوان “التكوين المهني في المغرب في مواجهة الإصلاحات: التحولات المؤسساتية وإعادة هيكلة الحكامة وتحديات قابلية التشغيل”، أن القطاع يعيش مرحلة إعادة بناء عميقة تهدف إلى تجاوز النموذج التقليدي، واعتماد تصور جديد يجعل من التكوين المهني رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأعد الدراسة الباحثان مها بولارطال وجمال تسولي مستايكد من كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث تناولت مسار الإصلاحات التي عرفها القطاع، والتحولات التي مست منظومة الحكامة، إلى جانب رصد العراقيل التي ما تزال تؤثر على قدرة التكوين المهني في الاستجابة السريعة لتحولات سوق الشغل.
أكدت الدراسة أن الإصلاحات التي عرفها قطاع التكوين المهني لا تمثل مجرد تعديلات تنظيمية، بل تعكس تحولا في طريقة التفكير في أدوار هذا القطاع، من خلال الانتقال إلى نموذج يعتمد على التخطيط الاستراتيجي، واستشراف حاجيات الاقتصاد، وإشراك الفاعلين المهنيين في تحديد التخصصات والكفاءات المطلوبة.
ويأتي هذا المسار ضمن سلسلة من المحطات الكبرى التي طبعت تاريخ القطاع، بداية من إحداث مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سنة 1974، مرورا بالميثاق الوطني للتربية والتكوين، والرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030، والقانون الإطار 51.17، وصولا إلى خارطة الطريق لسنة 2019 والاستراتيجية الوطنية للتكوين المهني لسنة 2021.
وترى الدراسة أن هذه الإصلاحات نقلت القطاع من منطق يركز أساسا على توسيع العرض التكويني إلى مقاربة تهدف إلى تحسين الجودة، وتنمية المهارات، ورفع قدرة الخريجين على الاندماج في سوق الشغل.
و أوضحت الدراسة أن التحولات العالمية المتسارعة، خاصة في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي والأتمتة، فرضت إعادة النظر في أدوار التكوين المهني، بعدما أصبحت العديد من القطاعات الاقتصادية تحتاج إلى مهارات جديدة ومتجددة باستمرار.
وفي هذا السياق، أصبح التحدي الرئيسي يتمثل في تقليص الفجوة بين ما تقدمه مؤسسات التكوين وما تطلبه المقاولات، وهي إشكالية ما تزال قائمة رغم الإصلاحات المتتالية، حيث تستمر بعض الصعوبات المرتبطة بإدماج الخريجين بسبب عدم التطابق الكامل بين التكوينات المتوفرة وحاجيات سوق العمل.
وشدد الباحثان على أن نجاح المنظومة مستقبلا يرتبط بقدرتها على الانتقال من منطق الاستجابة للحاجيات الحالية إلى اعتماد رؤية استباقية تقوم على تحليل البيانات، ورصد التحولات الاقتصادية، والتنبؤ بالمهن والمهارات المستقبلية.




