تسويق الذات أم كفاءة القيادة؟.. عندما تتحول ممارسات الإدارة إلى بيئة لإنتاج “الأنا”

لم تعد الطريق إلى القمة داخل المؤسسات الحديثة تعتمد فقط على الكفاءة أو القدرة على قيادة الفرق وتحقيق النتائج، بل باتت في كثير من الحالات تمر عبر مهارة أخرى لا تقل تأثيراً: القدرة على تسويق الذات وإبراز الإنجازات الفردية.
ورغم أن أنظمة التوظيف والتطوير صُممت نظرياً لاختيار أفضل القادة وأكثرهم كفاءة، إلا أن تساؤلات متزايدة يطرحها خبراء الإدارة اليوم حول ما إذا كانت بعض ممارسات الموارد البشرية قد تحولت، دون قصد، إلى بيئة تُنتج قيادات مفرطة في التمركز حول الذات.
ويأتي هذا الجدل في سياق تراجع ملحوظ في مستوى الثقة تجاه القيادات المؤسسية، سواء من طرف الموظفين أو الجمهور. ولا يرتبط هذا التراجع بحوادث فردية معزولة، بل بنمط متكرر من السلوك القيادي الذي يقدّم الصورة الشخصية والمصلحة الفردية على حساب أهداف المؤسسة.
وتشير دراسات حديثة صادرة عام 2026 إلى أن بعض سياسات إدارة الموارد البشرية لا تكتفي بانتقاء أفراد ذوي ميول نرجسية، بل قد تساهم أيضاً في تعميق هذه السمات وترسيخها مع مرور الوقت، بما ينعكس سلباً على الأداء العام وثقافة العمل داخل المؤسسات.

داخل العديد من بيئات العمل، تتكرر مجموعة من الممارسات التي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تعزيز هذا النمط من القيادة:
1- التنافس الفردي في الاختيار والترقية
تعتمد كثير من المؤسسات على أنظمة ترقية قائمة على منافسة فردية شديدة، تُجبر المرشحين على إبراز تفوقهم الشخصي ومقارنة أنفسهم بالآخرين بشكل مستمر.
هذا النموذج، رغم فعاليته الظاهرية في فرز “الأفضل أداءً”، قد يدفع في الواقع نحو تفضيل شخصيات بارعة في الترويج للذات أكثر من قدرتها على بناء فرق متماسكة أو تحقيق نتائج جماعية. ومع الوقت، ترتفع احتمالات وصول شخصيات ذات ميول نرجسية إلى مواقع القيادة.
2- برامج “المواهب عالية الإمكانات” وصناعة شعور التفوق
تخصص المؤسسات استثمارات كبيرة لبرامج تطوير القيادات الموجهة لفئة مختارة تُعرف باسم «أصحاب الإمكانات العالية»، حيث يحصل المشاركون على تدريب وفرص استثنائية واهتمام خاص.
غير أن هذا التمييز قد ينتج عنه أثر جانبي مهم، يتمثل في تعزيز شعور التفوق على بقية الزملاء. ومع تراكم هذا الشعور، تتغذى تدريجياً نزعات الغرور والتمركز حول الذات، بما قد يؤثر لاحقاً على أسلوب القيادة داخل المؤسسة.
3- فجوات الأجور والامتيازات المبالغ فيها
تُظهر بيانات عام 2024 أن متوسط أجر الرؤساء التنفيذيين في شركات مؤشر S&P 500 يصل إلى نحو 285 ضعف متوسط أجر الموظف العادي.
ولا تقتصر الفجوة على الرواتب فقط، بل تمتد إلى منظومة امتيازات تشمل السفر الخاص، والسائقين الشخصيين، والمكاتب الفاخرة، والعضويات الحصرية.
ورغم تبرير هذه الامتيازات باعتبارها ضرورية لجذب الكفاءات العليا، إلا أنها تخلق في المقابل مسافة رمزية ومادية بين القادة والموظفين، وتعزز الإحساس بأن الإدارة العليا تنتمي إلى عالم مختلف.
وتشير أبحاث سلوكية إلى أن اتساع فجوة الدخل داخل المؤسسة يضعف الإحساس بالانتماء الجماعي ويقلل من قوة الهوية المشتركة، ما ينعكس سلباً على روح العمل الجماعي.
ما البدائل الممكنة؟
أمام هذه الإشكالات، يقترح خبراء الإدارة مجموعة من التوجهات التي يمكن أن تعيد التوازن إلى منظومة صناعة القيادات داخل المؤسسات:
أولاً: إعادة هندسة اختيار القادة
بدلاً من التركيز المفرط على المنافسة الفردية، يمكن اعتماد نماذج تقييم تركز على القدرة على التعاون وبناء الفرق. في هذا التصور، تصبح القيادة مسؤولية جماعية وليست موقع تفوق فردي.
وتقدم بعض التجارب المؤسسية، مثل تلك المعتمدة في وكالة «ناسا»، نموذجاً عملياً لهذا النهج، حيث يتم تدوير أدوار القيادة داخل الفرق التدريبية، بما يعزز ثقافة التعاون ويقلل من نزعة الهيمنة الفردية.
ثانياً: توسيع دائرة التطوير القيادي
بدلاً من حصر برامج تطوير القيادات في نخبة محدودة من الموظفين المصنفين كـ«عاليي الإمكانات»، يمكن توسيع نطاق هذه البرامج لتشمل فئات أوسع داخل المؤسسة.
الهدف من ذلك هو تعزيز مهارات العمل الجماعي والتعاون، وبناء ثقافة تنظيمية تقوم على مفهوم «نحن» بدل «أنا»، حيث يصبح النجاح نتيجة جهد جماعي متكامل وليس إنجازاً فردياً معزولاً.
ثالثاً: إصلاح منظومة الحوافز والمكافآت
تحتاج المؤسسات إلى مراجعة الفجوات الكبيرة في التعويضات بين القيادات العليا وبقية الموظفين، نظراً لتأثيرها المباشر على الثقافة الداخلية.
فإذا كان الأداء المؤسسي ثمرة عمل جماعي، فمن المنطقي أن تعكس أنظمة المكافآت هذا الواقع، عبر تعزيز الحوافز المرتبطة بإنجازات الفرق بدلاً من التركيز المفرط على الأفراد.
في النهاية، لا تظهر القيادات النرجسية في المؤسسات بشكل عشوائي، بل قد تكون في بعض الحالات نتيجة مباشرة لأنظمة وسياسات صُممت أصلاً لاختيار القادة وتطويرهم.
ومن هنا، فإن إعادة التفكير في معنى القيادة قد يكون نقطة البداية نحو مؤسسات أكثر توازناً واستدامة، حيث يُطرح سؤال جوهري: هل نكافئ من يخدم الفريق فعلاً، أم من يُجيد صناعة صورته؟




