تريليون دولار على الذكاء الاصطناعي في 2026.. هل دخل العالم مرحلة استثمار تاريخية؟

تتجه موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى تسجيل مستويات غير مسبوقة خلال السنوات المقبلة، مع توقعات بأن يتجاوز الإنفاق العالمي المرتبط بهذه التكنولوجيا حاجز تريليون دولار خلال عام 2026، وفق تقديرات حديثة لـ”غولدمان ساكس”، في رقم يتخطى بصورة واضحة تقديرات الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة.
ويأتي هذا التقدير في وقت يتزايد فيه الجدل حول حجم الأموال التي تضخها الشركات والحكومات في البنية التحتية اللازمة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، بدءاً من مراكز البيانات والرقائق المتقدمة وصولاً إلى شبكات الطاقة والمعدات المرتبطة بها.
ورغم ضخامة الرقم، يرى البنك الاستثماري الأميركي أن حجم الإنفاق لا يمثل خروجاً جذرياً عن مستويات الاستثمار التي شهدتها التحولات التكنولوجية الكبرى في العقود السابقة، خصوصاً عند قياسه كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
اعتمد كثير من المستثمرين خلال الفترة الماضية على النفقات الرأسمالية المتوقعة لشركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة باعتبارها مؤشراً رئيسياً لقياس حجم طفرة الذكاء الاصطناعي.
وتشير تقديرات إجماع المحللين إلى أن هذه الشركات قد تنفق نحو 800 مليار دولار خلال العام الجاري.
لكن “غولدمان ساكس” يرى أن استخدام هذا الرقم وحده قد يعطي صورة ناقصة عن حجم الاستثمارات الحقيقية، لأنه لا يشمل جميع الجهات التي تضخ الأموال في القطاع.
فشركات التكنولوجيا العملاقة ليست وحدها المستثمرة في الذكاء الاصطناعي، إذ توجد استثمارات ضخمة من شركات خاصة ومؤسسات في الولايات المتحدة، إلى جانب شركات آسيوية وأوروبية وغيرها من الأسواق العالمية.
كما أن إجمالي النفقات الرأسمالية لشركات التكنولوجيا الكبرى لا يذهب بالضرورة بالكامل إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن أن هذه الشركات تعمل في أسواق متعددة حول العالم، ما يعني أن جزءاً من إنفاقها يتم خارج الولايات المتحدة.
وبعد توسيع نطاق الحساب ليشمل هذه العناصر، يقدّر “غولدمان ساكس” أن إجمالي الاستثمار العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يصل إلى نحو تريليون دولار في 2026.
ومن هذا المبلغ، يتوقع أن تستحوذ الولايات المتحدة وحدها على حوالي 581 مليار دولار، ما يعكس حجم الدور الذي تلعبه الشركات الأميركية في تطوير البنية التحتية والتقنيات اللازمة للذكاء الاصطناعي.
ويشير جوزيف بريغز، الذي يشارك في قيادة فريق الاقتصاد العالمي لدى البنك، إلى أن الوصول إلى هذه التقديرات يتطلب عدداً من الافتراضات، ما يجعل قياس الإنفاق الفعلي أكثر تعقيداً مما تبدو عليه الأرقام الأولية.
ومن بين التحديات احتمال تكرار احتساب بعض النفقات، خصوصاً لدى الشركات التي لا تفصل بصورة واضحة في تقاريرها المالية بين الإنفاق على الممتلكات والمنشآت والمعدات وبين بعض ترتيبات التأجير المالي.
وللتأكد من متانة النتائج، لجأ فريق البحث إلى استخدام منهجيات بديلة، أظهرت بدورها مستويات استثمار قريبة من التقدير الرئيسي.
لا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند حجم الإنفاق بالدولار، بل تمتد إلى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي: ما حجم هذه الاستثمارات مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي؟
وتشير تقديرات “غولدمان ساكس” إلى أن الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قد يعادل نحو 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في 2026، مقابل حوالي 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وبحسب السيناريو الأساسي للبنك، يمكن أن ترتفع هذه النسبة في الولايات المتحدة إلى 2.5% خلال 2027، قبل أن تصل إلى حوالي 2.8% في 2028.
وعلى المستوى العالمي، قد ترتفع النسبة من نحو 0.9% في 2026 إلى 1.3% في 2027 ثم إلى حوالي 1.4% في 2028.
وتعني هذه التقديرات أن الذكاء الاصطناعي لا يتحول إلى قطاع تقني مهم فحسب، بل بدأ يصبح عاملاً مؤثراً في دورة الاستثمار والنمو الاقتصادي ككل.
رغم ضخامة الأموال التي تتجه إلى الذكاء الاصطناعي، لا يرى “غولدمان ساكس” أن هذه المستويات تخرج بالضرورة عن الأنماط التاريخية للاستثمار في التقنيات العامة التي أحدثت تحولات اقتصادية واسعة.
ويشير بريغز إلى أن موجات الاستثمار السابقة المرتبطة بإطلاق تقنيات عامة الاستخدام وصلت في مراحل الذروة إلى مستويات تتراوح تقريباً بين 2% و5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبناءً على ذلك، فإن المستويات المتوقعة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، رغم ارتفاعها السريع، لا تزال ضمن النطاق الذي شهدته دورات التكنولوجيا الكبرى سابقاً.
وهذا الاستنتاج يخفف جزئياً من المخاوف المتعلقة بأن حجم الإنفاق الحالي يمثل بالضرورة حالة استثنائية لا يمكن استمرارها.
لكن المشكلة الأساسية بالنسبة للمستثمرين لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي يتم إنفاقها، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على تحقيق عوائد اقتصادية ومالية تتناسب معها.
فالشركات تنفق مليارات الدولارات على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية والحوسبة السحابية، بينما لا يزال السؤال قائماً حول سرعة تحول هذه الاستثمارات إلى أرباح وتدفقات نقدية.
ولهذا، أصبحت توقعات العائد على استثمارات الذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر عدم اليقين بالنسبة للأسواق المالية.
وقد ساهمت المخاوف بشأن ارتفاع الإنفاق وعدم وضوح العوائد المستقبلية في زيادة تقلبات أسهم التكنولوجيا في الولايات المتحدة وآسيا، مع انتقال المستثمرين من التركيز على حجم الاستثمارات إلى التساؤل عن مدى استدامة دورة الإنفاق.
ولا يستبعد “غولدمان ساكس” أن تكون بعض تقديرات السوق بشأن الإنفاق الرأسمالي في 2027 متحفظة أكثر من اللازم.
ويشير فريق استراتيجية المحافظ الأميركية في البنك إلى إمكانية إجراء مراجعات صعودية لتوقعات الإنفاق خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا واصلت شركات التكنولوجيا توسيع قدراتها الحاسوبية لمواكبة الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن حتى في حال ارتفاع هذه التوقعات بصورة كبيرة، يرى البنك أن حصة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من الناتج المحلي الإجمالي ستظل ضمن الحدود التي شهدتها موجات التكنولوجيا السابقة.
المسألة التي تشغل المستثمرين حالياً ليست ما إذا كان الإنفاق على الذكاء الاصطناعي سيستمر في الارتفاع، بل متى يصل هذا الإنفاق إلى ذروته ومتى تبدأ وتيرته في التباطؤ.
فاستمرار الإنفاق بوتيرة قوية قد يدعم شركات الرقائق ومراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية الرقمية، لكنه في المقابل يرفع سقف التوقعات بشأن الإيرادات المستقبلية التي يجب أن تحققها هذه الاستثمارات.
وكلما اتسعت الفجوة بين حجم الإنفاق والعوائد المحققة، زادت احتمالات تعرض أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لضغوط تصحيحية.
في المقابل، إذا بدأت التطبيقات التجارية للذكاء الاصطناعي في تحقيق إيرادات وأرباح كبيرة، فقد تجد الشركات مبرراً اقتصادياً لمواصلة دورة الإنفاق لسنوات إضافية.
تكشف تقديرات “غولدمان ساكس” عن حجم التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في خريطة الاستثمار العالمية، مع اقتراب الإنفاق المرتبط بهذه التكنولوجيا من تريليون دولار خلال 2026.
ومع ذلك، فإن ضخامة الرقم لا تعني بالضرورة وجود فقاعة، خصوصاً إذا تم وضعه في سياق الناتج المحلي الإجمالي ومقارنته بموجات الاستثمار التي صاحبت تقنيات غيّرت الاقتصاد العالمي في السابق.
ويبقى العامل الحاسم هو قدرة الشركات على تحويل هذه الاستثمارات الهائلة إلى إنتاجية وإيرادات وأرباح حقيقية. فإذا تحقق ذلك، فقد يمثل الذكاء الاصطناعي واحدة من أكبر موجات الاستثمار التكنولوجي في العصر الحديث، أما إذا تأخرت العوائد عن التوقعات، فقد تتحول شهية الإنفاق المرتفعة إلى مصدر رئيسي للضغط على الأسواق.




