الاقتصادية

الشركات العائلية أمام اختبار الأجيال.. هل يصمد الإرث عندما تنتقل السلطة؟

خلف قصص الصراع على الثروة والنفوذ التي أصبحت مادة مفضلة لدى الدراما التلفزيونية، تدور في العالم الحقيقي معركة أكثر تعقيدًا داخل آلاف الشركات التي بنتها عائلات على مدى عقود. فانتقال القيادة من المؤسس إلى الأبناء أو الأحفاد قد يحدد ما إذا كانت الإمبراطورية ستواصل النمو، أم ستدخل مرحلة من التراجع والانقسام.

ولم تعد الشركات العائلية مجرد نموذج تقليدي لإدارة الأعمال، بل أصبحت قوة رئيسية في الاقتصاد العالمي، تمتد من المتاجر والمؤسسات الصغيرة إلى مجموعات ضخمة تعمل في الصناعة والتجزئة والطاقة والسلع الفاخرة والخدمات المالية.

وتكتسب هذه القضية أهمية متزايدة مع اقتراب أعداد كبيرة من المؤسسين وأصحاب الشركات من سن التقاعد، ما يضع مسألة الخلافة في صدارة التحديات التي تواجه هذا النوع من الشركات.

تشير تقديرات مؤسسات استشارية كبرى إلى أن الشركات العائلية تمثل نحو ثلثي الشركات حول العالم، كما تسهم بنسبة مماثلة تقريبًا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ورغم أن الجزء الأكبر منها يتكون من شركات صغيرة ومتوسطة، فإن العائلات لا تزال تسيطر أيضًا على عدد كبير من الشركات الكبرى المدرجة في البورصات العالمية.

وتشير تحليلات لبيانات الشركات المدرجة إلى أن نحو ربع الشركات الكبرى حول العالم يمكن تصنيفها ضمن الشركات العائلية وفق تعريف يعتمد امتلاك العائلة لما لا يقل عن 20% من الأسهم أو حقوق التصويت، إلى جانب انتقال القيادة مرة واحدة على الأقل بين الأجيال.

وبذلك، فإن مستقبل هذه الشركات لا يمثل قضية خاصة بالعائلات المالكة فقط، بل يرتبط بصورة مباشرة بالوظائف والاستثمارات والأسواق المالية والاقتصادات المحلية والوطنية.

تواجه الشركات العائلية حالياً واحدة من أكبر عمليات انتقال الملكية والقيادة في تاريخها.

ففي الولايات المتحدة وأوروبا، وصل عدد كبير من أبناء جيل طفرة المواليد إلى سن التقاعد أو اقترب منه، ما يعني أن شركات كثيرة ستضطر خلال السنوات المقبلة إلى تحديد من سيخلف المؤسسين والمالكين الحاليين.

ولا يقتصر الأمر على الاقتصادات الغربية، إذ تواجه آسيا تحدياً مشابهاً. فالشركات الخاصة التي تأسست خلال موجات النمو الاقتصادي التي شهدتها الصين منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكذلك الشركات التي ظهرت في اقتصادات آسيوية أخرى، بدأت تدخل مرحلة انتقال القيادة إلى الجيل التالي.

وقد تكون نتائج هذه العملية واسعة النطاق، خصوصاً إذا فشلت الشركات في إعداد قيادات قادرة على الحفاظ على الأعمال وتطويرها.

هل تتفوق الشركات العائلية فعلاً؟

رغم كثرة الدراسات التي تناولت أداء الشركات العائلية، لم يصل الباحثون إلى نتيجة حاسمة تثبت تفوقها الدائم على الشركات الأخرى.

فالنتائج تختلف باختلاف القطاع وحجم الشركة والدولة والفترة الزمنية، كما أن تعريف “الشركة العائلية” نفسه يختلف بين دراسة وأخرى.

لكن تحليلاً شمل نحو 1600 شركة غير مالية مدرجة في أسواق رئيسية بأميركا وأوروبا وآسيا، أظهر أن العوائد التي حققتها الشركات العائلية للمساهمين، بما في ذلك توزيعات الأرباح، كانت قريبة إجمالاً من أداء الشركات العامة الأخرى خلال العقدين الماضيين.

وهذا يعني أن الملكية العائلية ليست ضماناً للنجاح، لكنها في الوقت نفسه لا تمثل بالضرورة عائقاً أمام تحقيق عوائد جيدة.

أحد أبرز عناصر القوة لدى الشركات العائلية يتمثل في قدرتها على بناء علاقات طويلة الأمد.

فالاسم العائلي والسمعة التي تراكمت عبر عقود يمكن أن يتحولا إلى أصل تجاري حقيقي، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على الثقة بين الشركة والعملاء والموردين والشركاء.

وتنتقل هذه الشبكات أحياناً من جيل إلى آخر، ما يمنح الشركة قاعدة من العلاقات يصعب على منافس جديد بناؤها في فترة قصيرة.

ولذلك، تنتشر الشركات العائلية بصورة ملحوظة في قطاعات مثل تجارة التجزئة والسلع الاستهلاكية، حيث يمكن للثقة والسمعة أن تكونا عاملين حاسمين في نجاح النشاط.

لكن الميزة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما تصبح القرارات الإدارية خاضعة للمحاباة أو عندما يتم تعيين أفراد العائلة في مناصب قيادية دون امتلاك المؤهلات المطلوبة.

وقد انتقد المستثمر الأميركي الشهير وارن بافيت هذا النوع من الممارسات، مشيراً إلى أن النجاح لا ينتقل بالضرورة من الآباء إلى الأبناء لمجرد وجود صلة عائلية.

وتصبح المشكلة أكثر وضوحاً عندما تمنع الروابط العائلية الشركة من استقطاب الكفاءات الخارجية أو عندما تتعارض مصالح أفراد العائلة مع مصالح الشركة والمساهمين الآخرين.

في بعض الاقتصادات التي لا تزال مؤسساتها المالية والقانونية في طور التطور، يمكن للشبكات العائلية أن تؤدي وظيفة تتجاوز العلاقات التجارية التقليدية.

فالثقة المتراكمة داخل شبكات الأعمال قد تسهل الوصول إلى التمويل أو إبرام الصفقات أو بناء علاقات مع الموردين والعملاء.

وهذا أحد العوامل التي تفسر الانتشار الواسع للشركات العائلية في الهند وجنوب شرق آسيا، إلى جانب استمرار حضورها القوي في اقتصادات مثل كوريا الجنوبية.

لكن اعتماد الشركة بشكل مفرط على العلاقات الشخصية قد يصبح مشكلة إذا لم يترافق مع تطوير مؤسسات إدارية وقواعد حوكمة واضحة.

الميزة الثانية للشركات العائلية تتمثل في الأفق الزمني الطويل.

فالعائلة المالكة قد لا تنظر إلى الشركة باعتبارها استثماراً يجب أن يحقق نتائج خلال ربع أو عام واحد، بل باعتبارها إرثاً ينبغي الحفاظ عليه وتسليمه إلى الجيل التالي.

هذا التفكير يمكن أن يدفع الإدارة إلى اتخاذ قرارات أكثر تحفظاً والابتعاد عن مستويات الدين المرتفعة، والاحتفاظ بمستويات أكبر من السيولة.

لكن هذا النهج قد يحمل جانباً سلبياً أيضاً، خصوصاً عندما يؤدي الحذر الشديد إلى تأخير الاستثمار في البحث والتطوير أو التكنولوجيا الجديدة.

أظهرت بعض الدراسات أن الشركات العائلية تمكنت من الصمود بصورة أفضل خلال أزمات اقتصادية كبرى، بما في ذلك الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009 وجائحة كورونا.

وفي حين تكبدت هذه الشركات خسائر كبيرة في بداية الصدمات، أظهرت بعض العينات قدرة على التعافي بسرعة أكبر من نظيراتها.

ويرتبط ذلك جزئياً بانخفاض مستويات الديون وارتفاع السيولة لدى عدد من الشركات العائلية، إلى جانب استعداد الملاك لاتخاذ قرارات طويلة الأجل بدلاً من التركيز على ردود الفعل قصيرة الأجل.

لكن هذه المرونة لا تعني أن الشركات العائلية محصنة ضد الأزمات، إذ يمكن للصراعات الداخلية أو ضعف الإدارة أن تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ملكية وحوكمة في الوقت نفسه.

يبقى انتقال السلطة بين الأجيال التحدي الأكثر حساسية.

فنجاح المؤسس في بناء شركة ضخمة لا يعني بالضرورة أن أبناءه يمتلكون المهارات نفسها لإدارتها، كما أن رغبة العائلة في الحفاظ على السيطرة قد تتعارض أحياناً مع حاجة الشركة إلى قيادة مهنية.

وقد تؤدي الخلافات حول توزيع الملكية أو اختيار المدير الجديد إلى نزاعات طويلة ومكلفة، خصوصاً عندما لا تكون هناك وصايا واضحة أو اتفاقات مسبقة بشأن انتقال السيطرة.

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما لا يكون هناك وريث يرغب في تولي المسؤولية أصلاً، سواء بسبب اختلاف اهتمامات الجيل الجديد أو رغبته في بناء مسار مهني مستقل.

لم تعد عملية الخلافة مسألة يمكن تأجيلها حتى اقتراب المؤسس من التقاعد.

وتلجأ بعض العائلات إلى إعداد الجيل الجديد منذ سن مبكرة، عبر تعريفه بتاريخ الشركة وقيمها وإشراكه تدريجياً في أنشطتها.

وفي مراحل لاحقة، قد يتم اختبار أفراد العائلة من خلال منحهم مسؤولية مشروعات مستقلة أو تشجيعهم على اكتساب خبرات خارج الشركة قبل العودة إلى العمل داخل المؤسسة العائلية.

Family businesses face succession test as next generation prepares to lead  - InvestmentNews

لكن الاتجاه الأوسع يتمثل في الاستعانة بمستشارين متخصصين في الحوكمة وإدارة الثروة والتخطيط للخلافة، بهدف تقليل احتمالات الصراع عندما يحين موعد انتقال السلطة.

في بعض الحالات، يكون الحل الأنسب هو تعيين مدير تنفيذي من خارج العائلة.

وقد يكون هذا التغيير مؤقتاً إلى أن يصبح أحد أفراد الجيل الجديد جاهزاً لتولي القيادة، أو يتحول إلى نموذج دائم يعتمد على الفصل بين الملكية والإدارة.

وفي حالات عديدة، يؤدي إدخال إدارة خارجية إلى تعزيز الاحترافية وتحسين الحوكمة، خصوصاً عندما تكون الشركة قد أصبحت كبيرة ومعقدة بحيث يصعب إدارتها بالطريقة التقليدية التي اتبعها المؤسس.

وقد يمتد هذا التحول ليشمل الملكية أيضاً، من خلال إدراج الشركة في البورصة أو بيع حصة منها إلى مستثمرين خارجيين.

تتغير نظرة بعض الورثة إلى ملكية الشركات العائلية مع مرور الوقت.

فقد لا يرغب الجيل الجديد في تحمل المسؤولية المرتبطة بإدارة شركة كبيرة، أو قد يفضل تحويل حصته إلى أصول مالية أكثر سيولة.

كما يمكن أن تلعب الاعتبارات الضريبية والمالية دوراً في دفع بعض الورثة إلى بيع حصصهم.

وفي المقابل، تختار عائلات أخرى إدراج جزء من أسهم الشركة في البورصة مع الاحتفاظ بحقوق تصويت تمنحها السيطرة على القرارات الرئيسية.

لكن هذا النموذج قد يثير مخاوف المستثمرين إذا اعتُبرت حقوق التصويت الممنوحة للعائلة أكبر من حجم حصتها الاقتصادية.

The Invisible Legacy: Why 85% of Family Businesses Fail to Reach the 3rd  Generation 🌳📉

تقف الشركات العائلية أمام مرحلة قد تعيد رسم خريطة ملكية الأعمال في العديد من الاقتصادات.

فالانتقال المرتقب بين الأجيال يمكن أن يحافظ على مئات الشركات ويمنحها فرصة جديدة للنمو، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تفكك إمبراطوريات اقتصادية أو بيعها لمستثمرين جدد إذا لم تنجح العائلات في إدارة عملية الخلافة.

وفي نهاية المطاف، لن يكون العامل الحاسم هو اسم العائلة أو حجم الثروة التي تراكمت عبر الأجيال، وإنما قدرة الشركة على الجمع بين الإرث والحوكمة والكفاءة والابتكار.

وبينما تستمر الدراما التلفزيونية في تصوير الصراعات حول الثروة والنفوذ، تستعد الشركات العائلية في العالم الحقيقي لخوض اختبار أكثر أهمية: هل تستطيع الأجيال الجديدة الحفاظ على ما بناه المؤسسون، أم أن انتقال السلطة سيكون بداية نهاية بعض أكبر الإمبراطوريات العائلية؟

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى