اقتصاد المغربالأخبار

بطالة الشباب بالمغرب تقترب من 22% والذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة سوق الشغل

لا تزال مسألة إدماج الشباب في سوق الشغل تمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، في ظل استمرار مستويات مرتفعة من البطالة وضعف انخراط الفئة الشابة في النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع تحولات تكنولوجية متسارعة تعيد رسم طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.

وتكشف أحدث تقديرات منظمة العمل الدولية أن معدل البطالة في صفوف الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغ 21.9% خلال سنة 2025، وهو مستوى يظل أقل بشكل طفيف من المتوسط المسجل في منطقة شمال إفريقيا، والذي وصل إلى نحو 22.6% خلال الفترة نفسها.

وجاءت هذه الأرقام ضمن التقرير الجديد للمنظمة حول اتجاهات تشغيل الشباب في العالم لعام 2026، الصادر تحت عنوان «العودة إلى المستقبل»، والذي سلط الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه الأجيال الجديدة في الولوج إلى سوق العمل، فضلا عن التداعيات المحتملة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي على مستقبل الوظائف.

ورغم أن معدل البطالة المسجل في المغرب جاء دون المتوسط الإقليمي، فإن المعطيات تعكس استمرار صعوبة الانتقال من التعليم والتكوين إلى النشاط الاقتصادي، خصوصا في ظل محدودية الفرص المتاحة أمام فئة واسعة من الشباب.

وتزداد الصورة تعقيدا عند احتساب الشباب الذين يوجدون خارج سوق الشغل والتعليم والتكوين معا. ووفق تقديرات منظمة العمل الدولية، بلغت نسبة هذه الفئة بالمغرب حوالي 32.6% خلال سنة 2025، أي أن نحو ثلث الشباب كانوا خارج المسارات التي تتيح لهم اكتساب المهارات أو الاندماج في النشاط الاقتصادي.

وتكتسي هذه الفئة أهمية خاصة في تحليل سوق الشغل، لأنها لا تظهر بالضرورة ضمن معدلات البطالة التقليدية، رغم أنها تواجه صعوبات كبيرة في بناء مسار مهني مستقر. كما أن ارتفاع عدد الشباب غير النشيطين وغير المنخرطين في التعليم أو التكوين يفرض تحديات إضافية على السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل والإدماج.

وعلى المستوى العالمي، سجلت بطالة الشباب بدورها ارتفاعا خلال سنة 2025، إذ بلغ معدلها 12.4% مقابل 12.3% في العام السابق، بينما وصل عدد الشباب العاطلين عن العمل إلى حوالي 67 مليون شخص.

كما يقدر عدد الشباب الذين لا يوجدون في التعليم أو العمل أو التكوين عالميا بنحو 257 مليون شخص، ما يعكس اتساع نطاق التحديات التي تواجه الأجيال الشابة، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين لا يتم احتسابهم رسميا ضمن فئة العاطلين عن العمل.

وترى منظمة العمل الدولية أن معالجة هذه المعضلة تتطلب تجاوز التركيز على عدد الوظائف التي يتم خلقها، نحو الاهتمام أيضا بجودة فرص العمل واستقرارها ومستويات الأجور ومدى توافقها مع المؤهلات والمهارات التي يمتلكها الشباب.

وفي الوقت الذي يواجه فيه الشباب تحديات الولوج إلى سوق العمل، تبرز التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كعاملين إضافيين سيؤثران بشكل كبير على طبيعة الوظائف خلال السنوات المقبلة.

ويشير تقرير منظمة العمل الدولية إلى أن حوالي 6.1% من الوظائف التي يشغلها الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما توجد ضمن المهن الأكثر عرضة للتحول بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تعني قابلية هذه الوظائف للتأثر بالتكنولوجيا اختفاءها بالضرورة، إذ ترى المنظمة أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي في العديد من الحالات إلى تغيير طبيعة المهام داخل الوظيفة بدلا من إلغائها بالكامل.

غير أن هذا التحول سيجعل امتلاك المهارات الرقمية والتكنولوجية أكثر أهمية بالنسبة إلى الشباب الراغبين في دخول سوق العمل أو الحفاظ على قدرتهم التنافسية.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، خصوصا أن التقرير شمل المملكة ضمن الدول التي تمت دراسة عروض الشغل المنشورة عبر الإنترنت فيها، بهدف رصد التحولات التي يشهدها الطلب على المهارات والمهن.

وفي هذا السياق، تؤكد المنظمة أهمية ربط منظومة التكوين بحاجيات المقاولات وسوق العمل، مشيرة إلى أن برامج التدريب العملي والتكوين داخل الشركات، إلى جانب المسارات التي تجمع بين التعليم والتطبيق، يمكن أن ترفع فرص حصول الشباب على وظائف وتحسن مستويات أجورهم مقارنة ببعض المسارات التي تظل منفصلة عن احتياجات سوق الشغل.

وتأتي هذه المؤشرات في وقت يشهد فيه المغرب تحولا على مستوى رصد وتحليل سوق الشغل، بعد اعتماد منهجية جديدة ضمن البحث حول اليد العاملة «EMO2026» خلال سنة 2026.

وتعتمد المنهجية الجديدة تعريفا أكثر تشددا للبطالة، كما توسع نطاق قياس مختلف أشكال عدم الاستخدام الكامل لليد العاملة. ولهذا السبب، دعت المندوبية السامية للتخطيط إلى التعامل بحذر مع المقارنات بين نتائج المنهجية الجديدة والأرقام السابقة، نظرا للاختلافات المفاهيمية والإحصائية بين النظامين.

وتكشف المعطيات المتعلقة بالربع الثاني من سنة 2026 أن معدل مشاركة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما في سوق الشغل لم يتجاوز 22.9%، وهي أدنى نسبة مسجلة بين مختلف الفئات العمرية.

ويعكس هذا المستوى المحدود من المشاركة استمرار الصعوبات المرتبطة بانتقال الشباب من مقاعد الدراسة والتكوين إلى سوق العمل، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توفير وظائف تتلاءم مع مؤهلاتهم، وربط التكوين بشكل أكبر بالقطاعات التي تعرف طلبا فعليا على اليد العاملة.

ومع تسارع انتشار الذكاء الاصطناعي والرقمنة، يبدو أن معركة تشغيل الشباب في المغرب ستتخذ أبعادا جديدة خلال السنوات المقبلة. فإلى جانب ضرورة خلق فرص عمل كافية، سيصبح الاستثمار في المهارات الرقمية والتكوين المستمر والربط بين التعليم واحتياجات المقاولات عوامل حاسمة لضمان قدرة الأجيال الجديدة على مواكبة سوق عمل يتغير بوتيرة متسارعة.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى