الوظيفة الأولى تصبح أكثر صعوبة أمام جيل «زد» في سوق عمل متغير

يشهد سوق العمل العالمي تحولاً عميقاً يفرض واقعاً مهنياً مختلفاً على ملايين الشباب، في وقت تتراجع فيه قدرة الاقتصادات على توفير مسارات تقليدية وسلسة للانتقال من الدراسة إلى الوظيفة.
وبين تباطؤ التوظيف وارتفاع المنافسة وتسارع الاعتماد على التكنولوجيا، يجد جيل «زد» نفسه أمام مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في إثبات قدراته وسط سوق يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
ولا تتوقف الضغوط التي يواجهها الشباب عند حدود البحث عن وظيفة، إذ تتزامن صعوبة الحصول على فرصة أولى مع ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم، إلى جانب التحولات التي تفرضها الأتمتة والذكاء الاصطناعي على العديد من المهن. وأصبح أصحاب العمل يبحثون بصورة متزايدة عن مرشحين يمتلكون مزيجاً من المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية والمهارات الرقمية.
وفي ظل هذه الظروف، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها ضمانة كافية لدخول سوق العمل، كما لم يعد المسار المهني التقليدي الخيار الوحيد أمام الباحثين عن وظيفة. فالخبرة العملية، والقدرة على التعلم المستمر، والمرونة في الانتقال بين المجالات أصبحت عناصر أساسية في المنافسة على الفرص المتاحة.
وتزداد صعوبة المشهد بالنسبة إلى الشباب الذين يفتقرون إلى مؤهلات تعليمية متقدمة، أو يواجهون تحديات مرتبطة بالإعاقة أو الهجرة أو محدودية الموارد المالية. كما أن ارتفاع تكاليف السكن والتنقل يجعل الانتقال إلى المدن التي توفر فرصاً أكبر أمراً صعباً بالنسبة إلى كثير من الباحثين عن عمل في بداية حياتهم المهنية.
لا تمثل الوظيفة الأولى مجرد مصدر للدخل بالنسبة إلى الشاب، وإنما تشكل نقطة انطلاق أساسية لبناء مساره المهني. فمن خلالها يتعرف الموظف الجديد إلى قواعد بيئة العمل، ويكتسب مهارات التواصل والانضباط وإدارة الوقت، كما يبدأ في تكوين شبكة من العلاقات التي قد تساعده لاحقاً في الوصول إلى فرص أفضل.

وعلى مدى سنوات، كانت قطاعات مثل تجارة التجزئة والضيافة وخدمة العملاء والعمل الإداري من أبرز الأبواب التي يدخل منها الشباب إلى سوق العمل. ورغم أن هذه الوظائف قد لا تكون الوجهة النهائية للكثيرين، فإنها توفر خبرة أولية يمكن البناء عليها في مراحل لاحقة.
لكن المشكلة تظهر عندما يجد الشاب صعوبة في الحصول حتى على هذه الفرصة الأولى. فغياب الخبرة يجعل التوظيف أكثر صعوبة، بينما يؤدي غياب الوظيفة إلى استمرار نقص الخبرة، لتتشكل بذلك حلقة قد تعرقل بداية المسار المهني.
ولا تقتصر تداعيات هذه المشكلة على الشباب أنفسهم، إذ يمكن لارتفاع البطالة بينهم أن يترك آثاراً مباشرة على الاقتصاد. وكان تقرير لشركة «ديلويت» في عام 2024 قد قدر أن استمرار معدلات بطالة الشباب في كندا عند مستويات مرتفعة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.
كما تمتد تداعيات البطالة إلى جوانب اجتماعية، خصوصاً عندما تستمر لفترات طويلة أو تدفع الشباب إلى قبول وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم. وقد يؤدي ذلك إلى تأخير الاستقلال المالي وتحقيق عدد من الأهداف الحياتية، مثل الاستقلال السكني أو شراء منزل أو تأسيس أسرة.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الشباب صعوبة في دخول سوق العمل، تتغير طبيعة الوظائف نفسها بفعل التطور التكنولوجي. فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة جزءاً متزايداً من بيئة الأعمال، ما يدفع الشركات إلى إعادة تقييم المهام التي تحتاج إلى موظفين بشريين والمهارات التي ينبغي أن يمتلكها العاملون.
وبالنسبة إلى جيل «زد»، قد يمثل هذا التحول فرصة بقدر ما يشكل تحدياً. فقد نشأ هذا الجيل في بيئة رقمية جعلته أكثر اعتياداً على التكنولوجيا والمنصات الإلكترونية والأدوات الرقمية، لكن امتلاك المعرفة التقنية الأساسية لم يعد كافياً.
فالمنافسة المستقبلية ستتطلب الجمع بين المهارات الرقمية والقدرات البشرية، مثل التفكير النقدي والإبداع والقدرة على حل المشكلات والتواصل والعمل الجماعي. وهذه المهارات يمكن أن تمنح الشباب ميزة في الوظائف التي تعتمد على التعاون واتخاذ القرار والتعامل مع المواقف المعقدة
أمام هذا التحول، يصبح التعامل مع سوق العمل الجديد بحاجة إلى استراتيجية مختلفة، لا تركز فقط على انتظار وظيفة تقليدية، وإنما على بناء مجموعة متكاملة من الخبرات والمهارات.
قد لا تكون أول خطوة في المسار المهني وظيفة دائمة، إذ يمكن للتدريب العملي والعمل المؤقت والمشاريع الحرة أن توفر للشباب فرصة لبناء خبرة أولية.
كما يمكن للمشاريع الشخصية في مجالات مثل التصميم والبرمجة والتسويق الرقمي وكتابة المحتوى وغيرها أن تتحول إلى عناصر مهمة في السيرة الذاتية، خصوصاً عندما يستطيع الشاب إثبات ما أنجزه فعلياً.
في سوق سريع التغير، تصبح المهارات القابلة للاستخدام في أكثر من مجال ذات أهمية متزايدة. ويبرز التفكير التحليلي والمرونة والإبداع والقدرة على القيادة والتواصل ضمن المهارات التي يزداد الطلب عليها.
ولا يتطلب تطوير هذه القدرات بالضرورة الحصول على شهادة أكاديمية جديدة، إذ يمكن اكتساب جزء منها عبر التدريب والمشاريع التطوعية والعمل الجماعي والمبادرات الشخصية.
لم تعد المعرفة التي يتم اكتسابها في بداية المسار التعليمي كافية بالضرورة طوال الحياة المهنية. فظهور تقنيات جديدة وتغير طبيعة الوظائف يفرضان على العاملين مواصلة التعلم وتحديث مهاراتهم باستمرار.
ومن هنا، يمكن للدورات المهنية القصيرة والشهادات المتخصصة والتدريب التطبيقي أن تساعد الشباب على مواكبة الطلب المتغير على المهارات، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
لا تمر جميع فرص العمل عبر منصات التوظيف التقليدية، إذ يمكن للعلاقات المهنية أن تؤدي دوراً مهماً في التعرف إلى الوظائف والمشاريع المتاحة.
ويساعد التواصل مع المتخصصين والمرشدين وأصحاب الخبرة، إلى جانب المشاركة في المؤتمرات والفعاليات المهنية والمبادرات التطوعية والمجتمعات الرقمية، على بناء شبكة يمكن أن تصبح مصدراً للمعرفة والفرص في المستقبل.
ورغم أهمية المبادرة الفردية، فإن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية التكيف مع سوق العمل لا يعالج جذور المشكلة. فهناك عوامل اقتصادية وهيكلية تتطلب تدخلاً من الحكومات والشركات والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني.
ويشمل ذلك تطوير برامج انتقال أكثر فعالية من التعليم إلى العمل، وتوسيع التدريب المهني والتطبيقي، وتحفيز الشركات على منح الخريجين فرصتهم الأولى، إلى جانب تحديث المناهج التعليمية بما يتوافق مع المهارات التي يحتاجها الاقتصاد.
كما أن دعم الفئات التي تواجه حواجز إضافية أمام التوظيف يمكن أن يساعد على جعل سوق العمل أكثر شمولاً، ويقلل من الفجوة بين المهارات المتاحة والوظائف التي تحتاجها الشركات.
يبدو أن المسار المهني التقليدي الذي يبدأ بوظيفة أولى ثم يتدرج بشكل منتظم لم يعد النموذج الوحيد المتاح أمام الشباب. فاقتصاد اليوم يتيح مسارات أكثر تنوعاً، تجمع بين العمل الحر والوظائف المؤقتة والمشاريع الرقمية والتدريب المستمر والانتقال بين القطاعات.
وبالنسبة إلى جيل «زد»، قد يكون التحدي الحقيقي ليس فقط العثور على وظيفة، بل امتلاك القدرة على إعادة تشكيل المسار المهني كلما تغيرت احتياجات السوق.
ورغم أن الظروف الاقتصادية والتكنولوجية تضع عراقيل جديدة أمام الشباب، فإنها تفتح في الوقت نفسه أبواباً لم تكن متاحة في السابق.
ومع الاستثمار المستمر في المهارات، والاستفادة من التكنولوجيا، وبناء العلاقات المهنية، يمكن لجيل «زد» أن يحول التحولات التي يشهدها سوق العمل من عقبة أمام مستقبله إلى فرصة لإعادة تعريف النجاح المهني وصناعة مسارات أكثر مرونة واستدامة.




