أوكرانيا تقترح هدنة لحماية ممرات الحبوب وروسيا تربطها بوقف استهداف الطاقة

تتجه أزمة الملاحة التجارية في البحر الأسود إلى واجهة المشهد مجدداً، بعدما طرحت أوكرانيا مقترحاً لوقف الهجمات على السفن التي تنقل المنتجات الزراعية، في محاولة لحماية حركة تصدير الحبوب، بينما ربطت موسكو أي تهدئة محتملة بوقف الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، إن كييف عرضت وقف استهداف السفن المرتبطة بتجارة الحبوب، إلا أن موسكو لم توافق على المقترح، مطالبة بضمانات مماثلة بشأن منشآت الطاقة.
وأوضح زيلينسكي أن الموقف الروسي، وفق ما تلقته كييف، يقوم على عدم مهاجمة ممرات تصدير الحبوب الأوكرانية مقابل توقف الهجمات على قطاع الطاقة الروسي.
وتزامن الخلاف مع تصاعد الهجمات المتبادلة على السفن التجارية والموانئ في البحر الأسود، الأمر الذي أثار مخاوف جديدة بشأن مستقبل تدفقات الحبوب إلى الأسواق العالمية.
وتكتسب المنطقة أهمية كبيرة بالنسبة إلى الأمن الغذائي العالمي، إذ تمثل روسيا وأوكرانيا معاً أكثر من ربع صادرات القمح العالمية.
وتزداد حساسية الوضع مع دخول موسم الحصاد مرحلة مهمة، في وقت تعتمد فيه أوكرانيا بشكل كبير على موانئ منطقة أوديسا الكبرى لتصدير منتجاتها الزراعية، والتي تتعامل مع نحو 90% من شحنات الحبوب الأوكرانية.
وقال وزير الزراعة الأوكراني تاراس فيسوتسكي إن بلاده لم تصدر منذ بداية أغسطس سوى نحو 500 ألف طن من الحبوب، أي ما يعادل قرابة خمس الكميات التي كان يمكن شحنها في الظروف الطبيعية.
ولم تقتصر الاضطرابات على الجانب الأوكراني، إذ تعرضت منشآت روسية مرتبطة بتجارة الحبوب لأضرار أيضاً.
وفي وقت سابق من الشهر، أوقفت ثلاث منشآت رئيسية لتداول الحبوب في ميناء نوفوروسيسك عملياتها بعد تعرضها لأضرار، ما دفع وزارة الزراعة الروسية إلى بحث مسارات بديلة لتصدير المنتجات الزراعية تفادياً لتعطل حركة التجارة عبر البحر الأسود.
وتشير هذه التطورات إلى أن الحرب باتت تضغط بشكل مباشر على البنية التحتية التي تعتمد عليها تجارة الغذاء في البلدين، بما قد ينعكس على حجم الإمدادات المتاحة في الأسواق الدولية.
من جانبه، أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتداعيات الاقتصادية للهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة، والتي طالت منشآت حيوية داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك مصافي النفط.
وقال بوتين إنه رفض مقترحات وقف إطلاق النار التي طرحتها كييف، واصفاً بعضها بأنها غير مقبولة وبعضها الآخر بأنها غير واضحة، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن أسباب الرفض.
وأكد في تصريحات للتلفزيون الرسمي الروسي أن موسكو ما زالت مستعدة للحوار بشأن السلام، لكن على أساس ما وصفه بـ«الحقائق القائمة على الأرض»، وهو موقف كرره الكرملين مراراً خلال الفترة الماضية.
وفي المقابل، أبدى زيلينسكي استعداد بلاده لمناقشة وقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، لكنه شدد على ضرورة أن يكون أي اتفاق قائماً على مبدأ المعاملة بالمثل.
وقال إن وقف الهجمات على القطاع الزراعي يجب أن يقابله إجراء مماثل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى منشآت الطاقة، معتبراً أن أي اتفاق يجب أن يحدد بوضوح نطاق التهدئة، سواء تعلق بالزراعة أو الطاقة أو بوقف شامل لإطلاق النار.
وتكشف هذه المواقف عن استمرار الفجوة بين الطرفين بشأن شكل أي هدنة محتملة، في ظل سعي كل جانب إلى ضمانات تمنع استخدام التهدئة لصالح الطرف الآخر.
وتواصل التصعيد على الأرض بالتوازي مع الجهود السياسية، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها استهدفت ميناء يوجني في منطقة أوديسا خلال الليل.
وقالت الوزارة إن الضربة أصابت خمسة خزانات للوقود، إضافة إلى منشآت مرتبطة بعمليات تحميل وتفريغ البضائع.
ويزيد استهداف الموانئ من الضغوط على قطاع التصدير الأوكراني، الذي يعتمد بشكل كبير على البنية التحتية الساحلية للحفاظ على تدفق المنتجات الزراعية إلى الأسواق الخارجية.
وفي محاولة لتقليل المخاطر التي تواجه حركة التجارة، قال زيلينسكي إنه اقترح على عدد من القادة الأجانب، من دون الكشف عن هوياتهم، استخدام سفن تابعة لدولهم لنقل المنتجات الزراعية الروسية والأوكرانية على حد سواء.
لكن الرئيس الأوكراني أقر بأن موسكو لا تبدو مستعدة حالياً لمثل هذا الترتيب.
وقد يمثل إشراك سفن أجنبية، في حال حصول توافق عليه، محاولة لتوفير ضمانات إضافية لحركة الشحن التجاري، إلا أن نجاح الفكرة سيظل مرتبطاً بقبول الطرفين وترتيبات أمنية وسياسية معقدة.
وبالتوازي مع الضغوط على الموانئ والمنشآت الاقتصادية، تكثف كييف جهودها لتعزيز دفاعاتها الجوية قبل فصل الشتاء.
وقال زيلينسكي إن أوكرانيا تسعى للحصول على نحو 300 صاروخ لمنظومات «باتريوت»، في ظل استمرار النقص في الصواريخ الاعتراضية وارتفاع وتيرة الهجمات الجوية الروسية.
ويشكل تأمين منظومات الدفاع الجوي والذخائر اللازمة لتشغيلها أولوية بالنسبة إلى كييف، خصوصاً مع اقتراب الشتاء الذي تزداد خلاله المخاوف بشأن استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
وبينما تستمر الهجمات على الموانئ والمنشآت النفطية ومراكز الطاقة، يبقى البحر الأسود أحد أبرز ساحات الاختبار لأي جهود تهدف إلى تحقيق تهدئة جزئية. فنجاح أي اتفاق بشأن حماية حركة الحبوب سيتوقف أولاً على قدرة موسكو وكييف على تحويل المقترحات المتبادلة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية تضغط على التجارة والطاقة والأمن الغذائي في المنطقة وخارجها.




