اقتصاد المغربالأخبار

المغرب يشدد الرقابة البنكية ويحد من مخاطر إنقاذ المؤسسات المتعثرة

يتجه المغرب إلى إعادة صياغة آليات التعامل مع الأزمات المصرفية، من خلال دخول مقتضيات قانونية جديدة حيز التنفيذ، تضع التدخل المبكر والوقاية من المخاطر في صلب منظومة الرقابة على مؤسسات الائتمان.

ويأتي ذلك بعد نشر القانون رقم 87.21 المتعلق بتعديل الإطار القانوني لمؤسسات الائتمان ووضعية بنك المغرب في الجريدة الرسمية عدد 7533 بتاريخ 10 غشت 2026، ليشكل بذلك خطوة جديدة في مسار تطوير التشريعات المنظمة للقطاع البنكي وتعزيز قدرة السلطات على مواجهة حالات التعثر المالي.

ولا يرتبط هذا الإصلاح فقط بتطورات القطاع البنكي المغربي، بل يعكس أيضا الدروس التي خلفتها الأزمات المالية العالمية، وفي مقدمتها أزمة 2008، التي أظهرت أن انهيار مؤسسة مصرفية كبيرة يمكن أن يتحول بسرعة إلى مصدر اضطراب يطال الاقتصاد والنظام المالي ككل.

كما يستند الإصلاح إلى نتائج تقييم للقطاع المالي المغربي أُنجز سنة 2015، خلص إلى ضرورة توفير أدوات قانونية أكثر فعالية تسمح للسلطات بالتدخل قبل وصول المؤسسات المتعثرة إلى مراحل يصعب معها احتواء الأزمة.

وخلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، شددت وزيرة الاقتصاد والمالية على أن تنامي الترابط بين الأسواق والأنظمة المالية العالمية يفرض اعتماد آليات استباقية تمكن السلطات من التحرك في الوقت المناسب، بدل انتظار تفاقم الاختلالات.

وصادق مجلس النواب على المشروع بـ66 صوتا مقابل 28، فيما حصل على موافقة مجلس المستشارين بـ34 صوتا.

يقوم الإطار التشريعي الجديد على تغيير طريقة التعامل مع المؤسسات التي تواجه صعوبات مالية، عبر الانتقال من التدخل بعد وقوع الأزمة إلى مراقبة المؤشرات التي قد تنذر بها والتصرف في مرحلة مبكرة.

ويتضمن القانون مجموعة من الأدوات الجديدة أو المعززة، من بينها توسيع صلاحيات التدخل المبكر، وتقوية دور المسير المؤقت، وإرساء آلية خاصة لتسوية أوضاع البنوك التي تواجه تعثرا خطيرا.

كما يولي النص أهمية لحماية حقوق المودعين والدائنين، مع منح صندوق ضمان الودائع إمكانية المساهمة في تمويل عمليات التسوية، بينما يظل تدخل الدولة محصورا في الحالات الاستثنائية التي تستدعي اللجوء إلى حل أخير.

ويشكل تعزيز صلاحيات بنك المغرب أحد أبرز جوانب الإصلاح الجديد، خصوصا في ما يتعلق بالمؤسسات الائتمانية التي تظهر عليها مؤشرات تدل على وجود صعوبات في وضعيتها المالية أو الإدارية.

وبموجب القانون، يمكن تعيين مسير مؤقت لمؤسسة ائتمانية متعثرة، بهدف مواكبة أجهزة إدارتها أو تولي صلاحياتها بشكل أوسع عندما تستدعي وضعيتها تدخلا مباشرا.

ولا يقتصر دور المسير المؤقت على إدارة المؤسسة، إذ يمكنه، بموافقة بنك المغرب، اللجوء إلى القضاء للطعن في بعض العمليات التي تمت قبل تعيينه، خصوصا عمليات نقل الأصول أو الأداءات التي جرت خلال الأشهر الستة السابقة، إذا تبين أنها لا تدخل ضمن النشاط الاعتيادي للمؤسسة أو ترتبط بمحاولات إخراج أصولها.

ومن بين أهم المستجدات التي جاء بها القانون إنشاء هيئة متخصصة في تسوية أوضاع البنوك، برئاسة والي بنك المغرب، لتولي مهمة التعامل مع المؤسسات التي قد يشكل تعثرها تهديدا لاستقرار النظام المالي.

وتضم الهيئة ثمانية أعضاء، من بينهم ممثلون عن بنك المغرب ووزارة الاقتصاد والمالية، إلى جانب قاضيين وعضوين مستقلين، بما يتيح إشراك عدد من الجهات المعنية في عملية اتخاذ القرار خلال الأزمات البنكية.

وستعمل الهيئة على إعداد خطط وقائية للمؤسسات ذات الأهمية النظامية، كما ستتولى اتخاذ قرار إطلاق مسطرة التسوية وتحديد التدابير التي ينبغي اعتمادها لمعالجة وضعية المؤسسة المتعثرة والحد من انتقال آثار الأزمة إلى باقي مكونات القطاع المالي.

ويوسع القانون الجديد كذلك نطاق تدخل صندوق ضمان الودائع، الذي لن تقتصر مهمته على حماية أموال المودعين، بل أصبح بإمكانه المساهمة في تمويل عمليات تسوية أوضاع المؤسسات البنكية المتعثرة.

وتعكس هذه الخطوة توجها نحو توفير مصادر تمويل لمعالجة الأزمات بعيدا عن الاعتماد المباشر على موارد الدولة، مع إبقاء إمكانية التدخل الحكومي مفتوحة في الحالات القصوى، باعتبارها آلية استثنائية يتم اللجوء إليها كحل أخير.

ولم تقتصر التعديلات على آليات معالجة التعثر، إذ شملت أيضا جوانب مرتبطة بحوكمة المؤسسات المالية والشفافية في منح التراخيص أو سحبها.

كما عمل المشرع على توضيح عدد من المفاهيم المرتبطة بالمخاطر النظامية والاستقرار المالي، وتحديد مسؤوليات مختلف الأطراف المشاركة في عمليات تسوية أوضاع البنوك.

ويعكس هذا التوجه رغبة في جعل الوقاية جزءا أساسيا من منظومة الرقابة البنكية، عبر تعزيز قدرة السلطات على رصد المخاطر والتدخل قبل أن تتحول الصعوبات التي تواجه مؤسسة واحدة إلى أزمة أوسع نطاقا.

وبذلك، يضع القانون رقم 87.21 أسسا جديدة لإدارة الأزمات المصرفية في المغرب، من خلال الجمع بين الرقابة المبكرة، وصلاحيات التدخل الموسعة، وآليات تسوية متخصصة، وحماية المودعين، مع تقليص الحاجة إلى استخدام المال العام لإنقاذ المؤسسات المالية المتعثرة.

والهدف النهائي هو بناء قطاع بنكي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات والحفاظ على استقرار النظام المالي في مواجهة الأزمات المستقبلية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى