الاقتصادية

الشركات تتعلم ثم تنسى.. كيف يؤدي فقدان الخبرة إلى تكرار الأزمات ؟

لا تحتاج المؤسسات الكبرى دائمًا إلى أزمة جديدة كي تكتشف أن شيئًا ما لم يتغير. أحيانًا يكفي إطلاق مشروع جديد حتى تعود إلى الواجهة مشكلات سبق أن استنزفت الوقت والمال والجهد، رغم أن تفاصيل التجربة السابقة لا تزال محفوظة في التقارير والأنظمة الداخلية.

تبدأ القصة عادة بمشروع طموح، ثم تظهر التعثرات، وتتراكم التأخيرات، وتتسع الخلافات بين الفرق، قبل أن تضطر الإدارة إلى فتح تحقيق شامل لمعرفة ما حدث. وبعد أسابيع أو أشهر، تظهر قائمة طويلة من التوصيات والدروس المستفادة، وتبدو المؤسسة وكأنها خرجت من التجربة أكثر نضجًا.

لكن بعد سنوات، ومع تغير القيادات والفرق، يبدأ مشروع جديد، فتظهر الأخطاء نفسها بأشكال مختلفة.

وهنا تكتشف الشركة مفارقة لافتة: لقد احتفظت بالمعرفة، لكنها فقدت الخبرة التي كانت تمنح تلك المعرفة معناها.

أصبحت مراجعات ما بعد المشاريع جزءًا أساسيًا من طريقة عمل الشركات الحديثة. فعند حدوث فشل أو انحراف كبير، تُجمع البيانات، وتُحلل القرارات، وتُحدد نقاط الضعف، ثم تُكتب التوصيات وتُحفظ في قواعد البيانات.

لكن تحويل التجربة إلى وثيقة لا يعني بالضرورة تحويلها إلى خبرة مؤسسية.

7 Ways to Recover After a Reputation Crisis

فالتقرير قد يخبر الموظفين بأن أحد القرارات كان خاطئًا، لكنه لا يستطيع دائمًا نقل الظروف التي أحاطت بالقرار، ولا الضغوط التي واجهها المسؤولون عنه، ولا العلامات الصغيرة التي ظهرت قبل وقوع المشكلة.

وهذه التفاصيل تحديدًا هي التي تصنع الخبرة.

الشخص الذي عاش الأزمة يستطيع أحيانًا التعرف على الخطر بمجرد ظهور إشارات بسيطة، لأنه سبق أن رأى كيف يمكن لمشكلة صغيرة أن تتطور إلى أزمة واسعة.

أما من يقرأ التقرير بعد سنوات، فقد يرى الأحداث باعتبارها سلسلة من الوقائع المنفصلة، من دون أن يمتلك السياق الذي يسمح له بفهم العلاقة بينها.

تواجه المؤسسات هنا فرقًا أساسيًا بين نوعين من المعرفة.

الأول هو المعرفة الصريحة، وهي التي يمكن تسجيلها ونقلها بسهولة نسبيًا، مثل السياسات والإجراءات والأرقام والتقارير وقواعد العمل.

أما الثاني فهو المعرفة الضمنية، وهي التي تتشكل من خلال التجربة والممارسة، وتشمل القدرة على الحكم، وفهم السياق، والتعرف على الإشارات المبكرة، ومعرفة متى يجب التدخل حتى قبل ظهور المشكلة في المؤشرات الرسمية.

وهذا النوع الثاني هو الأكثر تعرضًا للضياع.

فقد تعرف المؤسسة أن مشروعًا سابقًا تجاوز ميزانيته، لكنها قد تفقد الشخص الذي كان يعرف لماذا حدث ذلك بالضبط، وما القرارات التي مهدت له، وأي التحذيرات كان ينبغي أخذها بجدية أكبر.

وبالتالي، قد تبقى الإجابة عن سؤال “ماذا حدث؟”، بينما تضيع الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: “كيف عرفنا أن المشكلة كانت قادمة؟”

تزداد خطورة هذه المشكلة عندما تدخل المؤسسة في مرحلة إعادة هيكلة أو توسع سريع أو تغيير في القيادة.

قد يغادر مديرون يمتلكون سنوات من الخبرة، أو ينتقل أعضاء فريق إلى مواقع أخرى، أو يحل فريق جديد محل فريق قديم.

في المقابل، تبقى الوثائق في مكانها.

لكن الوثائق لا تستطيع الدفاع عن نفسها أو شرح سياقها.

قد يجد الموظف الجديد توصية تنص على ضرورة تحسين التنسيق بين الإدارات، لكنه لن يعرف بالضرورة أن هذه التوصية جاءت بعد خلاف معين، أو قرار متأخر، أو سلسلة من التحذيرات التي تم تجاهلها.

The Gain in Loss

وهكذا تنفصل المعلومة عن قصتها، وتتحول المعرفة من أداة لاتخاذ القرار إلى مجرد سجل تاريخي.

نادراً ما تتكرر الأخطاء داخل الشركات بالصورة نفسها تمامًا.

قد لا يعاد تنفيذ المشروع بالطريقة ذاتها، وقد تتغير التكنولوجيا والأسواق والموظفون، لكن النمط الأساسي قد يعود.

يتكرر سوء تقدير المخاطر، أو ضعف التواصل، أو التفاؤل المفرط بشأن الجدول الزمني، أو التقليل من صعوبة تنفيذ قرار معين.

في البداية، لا تبدو هذه الأحداث مرتبطة بالتجربة القديمة. لكن مع مرور الوقت، يتضح أن المؤسسة تعيد إنتاج مشكلة كانت قد واجهتها من قبل.

وهنا يمكن الحديث عن تسرب التعلم: المؤسسة تعلمت الدرس بالفعل، لكنها لم تنجح في الاحتفاظ بالأشخاص القادرين على تطبيقه.

قد تمتلك الشركة منصة داخلية تضم آلاف الوثائق، ونظامًا متطورًا للبحث، وأرشيفًا كاملًا للمشاريع السابقة.

ومع ذلك، قد يبقى الموظفون غير قادرين على الاستفادة من هذه الثروة المعلوماتية.

السبب بسيط: كثرة الملفات لا تعني سهولة الوصول إلى المعرفة المهمة.

الموظف الجديد لا يحتاج فقط إلى معرفة أن قرارًا معينًا كان خاطئًا، بل يحتاج إلى فهم الظروف التي جعلته يبدو صحيحًا في ذلك الوقت.

ولهذا فإن إدارة المعرفة الفعالة يجب أن تتجاوز سؤال “ماذا تعلمنا؟” إلى أسئلة أكثر عمقًا:

لماذا اتخذنا القرار؟ ما الإشارات التي تجاهلناها؟ ما الذي لم نكن نعرفه وقتها؟ وماذا كان يمكن أن يغير النتيجة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تحول التقرير من أرشيف للماضي إلى أداة تساعد في اتخاذ قرارات أفضل مستقبلًا.

هناك جوانب من الخبرة يصعب تحويلها إلى تعليمات أو قوائم.

مدير مشروع متمرس قد يعرف أن تأخر اجتماع معين ليس مشكلة بحد ذاته، لكنه قد يكون إشارة إلى خلل أعمق في التنسيق.

وقائد سبق أن أدار عملية اندماج قد يلاحظ تغيرًا بسيطًا في سلوك الموظفين ويعتبره مؤشرًا يستحق التدخل، بينما قد لا يرى فريق جديد في الأمر أي مشكلة.

وشخص عاش أزمة تشغيلية يعرف أحيانًا أن اجتماعًا واحدًا أو قرارًا صغيرًا يمكن أن يغير مسار المشروع بالكامل.

هذه ليست معلومات سرية أو معقدة بالضرورة، لكنها معرفة تراكمية تتكون من التجربة.

ولهذا فإن فقدان أصحاب الخبرة لا يعني خسارة موظفين فقط، بل قد يعني خسارة جزء من القدرة على تفسير الواقع.

الحل لا يتمثل في كتابة المزيد من التقارير، وإنما في جعل انتقال الخبرة جزءًا من نظام العمل نفسه.

ويمكن للمؤسسات تحقيق ذلك عبر تنظيم جلسات مباشرة تجمع الموظفين أصحاب الخبرة بالفرق الجديدة، وتسجيل أسباب القرارات المهمة وليس نتائجها فقط، وإنشاء برامج للإرشاد والتوجيه، وإجراء مقابلات معرفية مع الموظفين قبل مغادرتهم.

كما يمكن مراجعة المشاريع السابقة بشكل دوري، ليس بهدف البحث عن المخطئين، وإنما لفهم القرارات التي اتخذت والظروف التي أحاطت بها.

ومن المهم أيضًا أن تتعلم الشركات التمييز بين “ما حدث” و”ما يجب أن نراقبه في المستقبل”.

فالأول يمثل التاريخ، بينما الثاني يمثل الخبرة القابلة للاستخدام.

في بيئة الأعمال الحديثة، أصبحت المعرفة أحد أهم الأصول غير الملموسة، لكن قيمة هذه المعرفة لا تتحدد بحجمها، وإنما بقدرة المؤسسة على استخدامها في الوقت المناسب.

قد تمتلك الشركة عشرات التقارير عن مشاريع سابقة، لكنها تظل معرضة لتكرار الأخطاء إذا لم يكن لديها أشخاص قادرون على تفسير تلك التقارير وربطها بالواقع الجديد.

ومن هنا تصبح الخبرة الجماعية نوعًا من رأس المال المؤسسي الذي يحتاج إلى الحماية مثل أي أصل آخر.

فالمؤسسة التي تعتمد على عدد محدود من الأشخاص الذين يحملون المعرفة الحرجة دون نقلها إلى الآخرين، قد تكتشف متأخرة أن جزءًا مهمًا من ذاكرتها خرج من الباب مع مغادرة هؤلاء الموظفين.

في النهاية، لا يمكن قياس قدرة المؤسسة على التعلم بعدد الملفات التي تحفظها، ولا بعدد التوصيات التي تصدرها عقب كل أزمة.

المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت التجربة السابقة تغير طريقة التفكير واتخاذ القرار عندما تواجه الشركة تحديًا مشابهًا.

فالوثائق تحفظ ما حدث، لكن الخبرة تفسر لماذا حدث.

والتقارير تستطيع أن تسجل الخطأ، لكن الأشخاص أصحاب التجربة يعرفون كيف يمكن التعرف عليه قبل أن يتكرر.

ولهذا فإن أكبر خطر لا يواجه المؤسسات ليس أن تنسى ما حدث، بل أن تحتفظ بذاكرة مكتوبة للماضي من دون أن تحتفظ بالعقول القادرة على فهمها.

وعندما يحدث ذلك، قد تبدأ الشركة مشروعًا جديدًا بعد سنوات، وتواجه المخاطر نفسها، وتكرر القرارات نفسها، ثم تكتشف أن الدرس الذي ظنت أنها احتفظت به لم يكن موجودًا بالكامل داخل الملفات، بل كان موجودًا في خبرة أشخاص غادروا المؤسسة منذ وقت طويل.

وفي تلك اللحظة، لا يكون السؤال لماذا فشلت الشركة في التعلم، وإنما السؤال الأصعب: لماذا لم تنجح في نقل ما تعلمته إلى من جاء بعدها؟

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى