الذكاء الاصطناعي والمخاطر السيبرانية يعيدان رسم مستقبل صناعة التأمين بالمغرب

يشهد قطاع التأمين بالمغرب تحولات عميقة تضعه أمام مرحلة جديدة تتجاوز الأدوار التقليدية المرتبطة بالتعويض، نحو نموذج أكثر ارتباطاً بالابتكار وإدارة المخاطر والاستباق.
هذا التحول فرض نفسه بقوة مع تصاعد التحديات الرقمية، وارتفاع كلفة الهجمات السيبرانية، وتغير طبيعة المخاطر التي تواجه الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات.
هذه المتغيرات شكلت محور نقاش واسع بين مهنيي القطاع وخبرائه خلال ملتقى الدار البيضاء للتأمين، حيث برز توجه واضح نحو إعادة صياغة دور شركات التأمين لتصبح فاعلاً في الوقاية والمواكبة، وليس مجرد متدخل بعد وقوع الضرر.
وفي قلب هذا التحول، يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز محركات إعادة الهيكلة داخل الصناعة التأمينية، سواء عبر تحسين تحليل المخاطر، أو تطوير خدمات أكثر تخصيصاً، أو تعزيز سرعة معالجة الملفات، في وقت تفرض فيه الهجمات السيبرانية واقعاً جديداً يدفع نحو مراجعة عميقة لنماذج التغطية التقليدية.
وأكدت النقاشات أن القطاع يتجه نحو التحول من منطق “رد الفعل” إلى منطق “الوقاية المسبقة”، عبر تطوير خدمات قائمة على التنبؤ بالمخاطر، والمواكبة، والاستشارة، بدل الاقتصار على التعويض بعد وقوع الضرر.
وفي هذا السياق، برز توجه جديد داخل السوق المغربية يرتكز على اعتماد نموذج للملاءة قائم على المخاطر، في خطوة يُنتظر أن تعزز متانة الشركات التأمينية وتربط متطلبات الرسملة بطبيعة التهديدات الفعلية التي تواجهها، سواء كانت مالية أو تكنولوجية أو مناخية.
النقاشات كشفت أيضاً أن التأمين المغربي يتهيأ للتوسع نحو مجالات غير تقليدية، من بينها التأمين البارامتري، والتغطيات المرتبطة بالمخاطر المناخية، والحلول الموجهة للمقاولات الصغيرة والفئات محدودة الدخل، إلى جانب إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في تحسين تجربة الزبون وإعادة تصميم المنتجات.
ولم تغب رهانات التحول المناخي والشيخوخة الديمغرافية عن جدول الأعمال، حيث اعتُبرت من بين المتغيرات الكبرى التي ستعيد رسم الطلب على الخدمات التأمينية خلال السنوات المقبلة، بما يفرض تطوير عروض أكثر مرونة واستجابة.
كما حمل الملتقى بعداً دولياً من خلال توسيع قنوات التعاون الخارجي، خاصة بعد توقيع شراكة جديدة مع الجانب العُماني، في خطوة تعكس توجه السوق المغربية نحو تعزيز الانفتاح وتبادل الخبرات الإقليمية.
رسالة الملتقى كانت واضحة: قطاع التأمين في المغرب لم يعد أمام خيار التكيف، بل أمام ضرورة إعادة ابتكار نفسه بالكامل. وبين ضغط المخاطر السيبرانية، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتغير طبيعة المخاطر العالمية، يبدو أن الصناعة تدخل فعلاً مرحلة إعادة تأسيس، قد تعيد رسم موقعها داخل المنظومة الاقتصادية والمالية للمملكة.




