التحولات الديموغرافية تضغط على احتياطيات صناديق التقاعد وتفرض تسريع وتيرة الإصلاح

في سياق اقتصادي واجتماعي يزداد تعقيداً بفعل التحولات الديموغرافية وتغير بنية سوق الشغل، تتصاعد النقاشات حول مستقبل أنظمة التقاعد بالمغرب، وسط إجماع متزايد بين المسؤولين والخبراء على أن الحفاظ على توازن هذه المنظومة يقتضي تسريع الإصلاحات وتعزيز التكامل بين مختلف مستويات التغطية، بما في ذلك التقاعد الأساسي والتكميلي والادخار الفردي.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس قسم تنشيط الشبكة بالصندوق المغربي للتقاعد، حاتم بن ميلود، أن إصلاح سنة 2016 شكل محطة أساسية في مسار إعادة التوازن للنظام، حيث سمح بتخفيف حدة العجز عبر مراجعة نسب المساهمات، وإعادة النظر في آلية احتساب المعاشات، إلى جانب رفع سن الإحالة على التقاعد، وهو ما منح المنظومة هامشاً زمنياً إضافياً للاستمرارية.
وأشار بن ميلود إلى أن هذه الإجراءات مكنت من تمديد أفق نفاد الاحتياطيات إلى سنة 2028 بدل 2021، مع تقليص العجز من حوالي 700 مليار درهم إلى ما يقارب 350 مليار درهم، نتيجة إعادة ضبط العلاقة بين الاشتراكات والمنافع.
ورغم هذه النتائج، شدد المسؤول على أن التحديات البنيوية، خصوصاً المرتبطة بالتحولات الديموغرافية، تظل خارج نطاق التحكم المباشر، في ظل تزايد أعداد المتقاعدين مقابل تراجع نسبي في فئة النشيطين، إضافة إلى ارتفاع متوسط العمر، وهو ما يفرض أعباء مالية إضافية على النظام، ويعزز الحاجة إلى إصلاح هيكلي أعمق.
من جانبه، اعتبر المدير التنفيذي للصندوق المهني المغربي للتقاعد، جواد لمرابط، أن الإشكال لا يرتبط فقط بالتمويل، بل أيضاً ببنية النظام ككل، في ظل اختلال التوازن بين الفئات النشيطة والمتقاعدين، وارتفاع أمد الحياة، ما يجعل من الصعب ضمان معاشات كافية اعتماداً على النظام الأساسي وحده.
واستحضر لمرابط البدايات التاريخية للتقاعد التكميلي بالمغرب، التي تعود إلى سنة 1949، حين تم إرساء أولى آلياته بهدف توفير دخل بديل للأجراء، قبل أن يتطور تدريجياً ليصبح جزءاً محورياً من منظومة الحماية الاجتماعية.
كما توقف عند أبرز محطات الإصلاح، خاصة إصلاح سنة 2003 الذي تضمن قرارات صعبة، من بينها رفع مساهمات المقاولات دون مقابل حقوقي إضافي، وتجميد المعاشات لسبع سنوات، إضافة إلى تثبيت قيمة نقطة التصفية، في محاولة لإعادة التوازن المالي للنظام.
وأكد المسؤول أن الهدف الأساسي لأي منظومة تقاعد يتمثل في ضمان معاش لائق، يُقاس بمعدل الاستبدال الذي يعكس نسبة المعاش مقارنة بآخر راتب، مبرزاً أن المعايير الدولية تحدد هذا المعدل في حدود 70 في المائة، غير أن بلوغه عبر النظام الأساسي فقط يظل أمراً غير واقعي في ظل القيود الحالية.
ودعا لمرابط إلى تبني نموذج إصلاحي قائم على ثلاث ركائز متكاملة، تشمل النظام الأساسي والتقاعد التكميلي والادخار الفردي، باعتبارها الصيغة الأكثر قدرة على ضمان الاستدامة وتحقيق معاشات قريبة من تطلعات المتقاعدين.
وأشار أيضاً إلى أن الصندوق المهني المغربي للتقاعد يدير محفظة مالية تفوق 125 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، ويضطلع بدور مهم في دعم الاقتصاد الوطني، مبرزاً أن جزءاً مهماً من المستفيدين يجمعون بين أكثر من نظام تقاعدي، ما يعكس أهمية الدور التكميلي في تحسين مستوى الدخل بعد التقاعد.
وتخلص هذه المعطيات إلى أن مستقبل أنظمة التقاعد في المغرب لم يعد يحتمل معالجات جزئية، بل يتطلب رؤية إصلاحية شاملة تعيد بناء المنظومة على أسس أكثر توازناً، تضمن الاستدامة المالية وتحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية وكرامة المتقاعدين.




