أوبر في الصين.. صدام الطموح العالمي مع تعقيدات السوق المحلية

لم تعد الصين مجرد سوق ناشئة تستقطب الشركات العالمية، بل أصبحت واحدة من أكثر البيئات التجارية تعقيداً وتطلباً في العالم. وقد عبّر الرئيس التنفيذي السابق لشركة “جنرال إلكتريك” جيفري إيميلت عن هذا الواقع بعبارته الشهيرة: “الصين سوق ضخمة، لكن العمل فيها صعب”، وهي خلاصة لتجارب متكررة خاضتها شركات عالمية وجدت أن حجم الفرصة لا يعادل سهولة اقتناصها.
وعلى امتداد السنوات الماضية، واجهت شركات كبرى مثل “أمازون” و“إيباي” صعوبات في التكيف مع خصوصية السوق الصينية، قبل أن تدخل “أوبر” هذا الميدان وهي تحمل طموحاً واسعاً وثقة عالية بقدرتها على إعادة إنتاج نجاحاتها العالمية في بيئة مختلفة تماماً.
لكن سرعان ما تبيّن أن الرهان أكبر بكثير من مجرد توسع جغرافي، وأن المنافسة في الصين تخضع لقواعد أكثر تعقيداً من مجرد التفوق التقني أو ضخ الاستثمارات.
بدأت “أوبر” نشاطها في الصين عام 2014 ضمن خطة توسع جريئة تستهدف السيطرة على سوق النقل التشاركي الأكبر عالمياً. وجاء هذا التوجه مدفوعاً بإيمان مؤسسها “ترافيس كالانيك” بأن نموذج الشركة القائم على السرعة والتوسع يمكن أن يتجاوز أي عوائق محلية.
غير أن الشركة اختارت الدخول منفردة دون شراكة استراتيجية مبكرة مع لاعب محلي، وهو ما كشف سريعاً حجم التحديات. فقد ضخت ما يقارب مليار دولار خلال عام واحد، وتوسعت في عشرات المدن، لكنها واجهت عراقيل تقنية وتشغيلية، أبرزها الاعتماد على بنية خرائط غير مستقرة وتحديات في التكيف مع البنية الرقمية المحلية.
ورغم محاولات لاحقة لإعادة التوازن عبر التعاون مع “بايدو” واستقطاب كفاءات محلية، فإن نقطة الانطلاق الأولى كانت كافية لإضعاف موقعها التنافسي منذ البداية.

في الجهة المقابلة، كانت “ديدي” تعزز هيمنتها في السوق الصينية، خصوصاً بعد اندماجها مع “كوايدي” في عام 2015، بدعم من عمالقة التكنولوجيا مثل “تينسنت” و“علي بابا”.
الأهم من ذلك أن “ديدي” كانت جزءاً عضوياً من المنظومة الرقمية الصينية، عبر تكاملها مع تطبيق “وي تشات” الذي يستخدمه مئات الملايين يومياً، ما منحها قدرة غير مباشرة على الوصول إلى قاعدة مستخدمين ضخمة دون احتكاك تسويقي معقد.
كما استفادت الشركة من علاقات تنظيمية أكثر استقراراً ومن فهم أعمق لآليات السوق المحلية، وهو ما منحها أفضلية لم تستطع “أوبر” تعويضها رغم حجم استثماراتها.
وفي المقابل، واجهت “أوبر” قيوداً على بعض قنوات الوصول والتسويق، ما قلل من فعاليتها في الانتشار مقارنة بمنافسها المحلي.
مع تصاعد المنافسة، تحولت المعركة إلى سباق حاد في الأسعار والدعم المالي. لجأت “أوبر” إلى تقديم حوافز كبيرة للسائقين وخفض أسعار الرحلات إلى مستويات منخفضة للغاية بهدف كسب الحصة السوقية.
لكن هذا النموذج اعتمد بشكل أساسي على الحرق المالي وليس على الاستدامة التشغيلية، ما جعله عرضة للضغط المستمر. وفي الوقت نفسه، ظهرت أنماط من الاستغلال المرتبط بنظام الحوافز، ما زاد من تعقيد التحديات التشغيلية.
ومع تدخل السلطات الصينية لتنظيم قطاع النقل التشاركي ومنع تقديم خدمات دون تكلفتها الحقيقية، فقدت “أوبر” أحد أهم أدواتها التنافسية، بينما كانت “ديدي” أكثر قدرة على التكيف مع البيئة التنظيمية الجديدة.
تحت وطأة الخسائر وتزايد الضغوط من المستثمرين، قررت “أوبر” إنهاء وجودها المباشر في السوق الصينية. وفي عام 2016، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بدمج عملياتها مع “ديدي تشاكسينغ”، مقابل حصولها على حصة في الكيان الجديد واستمرار العلامة التجارية بشكل محدود.




