آلاف وكلاء الذكاء الاصطناعي يتحدون لحل واحدة من أصعب المسائل الرياضية

اقترب الذكاء الاصطناعي من مشهد كان يبدو حتى وقت قريب أقرب إلى الخيال العلمي، بعدما تمكنت «أوبن إيه آي» من حشد آلاف وكلاء الذكاء الاصطناعي للعمل بالتوازي على واحدة من أكثر المسائل الرياضية تعقيداً، في تجربة تفتح الباب أمام نموذج جديد للبحث العلمي القائم على تعاون عدد هائل من الأنظمة الذكية.
وتعيد هذه التجربة إلى الأذهان عالم فيلم «I, Robot»، حيث تعمل الروبوتات ضمن شبكة مترابطة تتبادل المعلومات والأوامر وتتصرف كمنظومة واحدة. لكن هذه المرة، لم يكن الهدف تنفيذ مهمة ميدانية، وإنما معالجة مشكلة رياضية ظلت تحير العلماء لأكثر من قرن.
تصف معادلات «نافيير-ستوكس» كيفية تحرك الموائع، مثل الهواء والماء، بالاعتماد على مبادئ فيزيائية من بينها قانون نيوتن الثاني. وتدخل هذه المعادلات في عدد كبير من التطبيقات العلمية والهندسية، من تصميم الطائرات والمقاتلات إلى نمذجة الطقس ودراسة تدفق السوائل والغازات.
وتكتسب المسألة أهمية استثنائية لأنها واحدة من مسائل الألفية السبع التي حددها معهد «كلاي» للرياضيات، مع تخصيص جائزة قدرها مليون دولار لمن يتمكن من حل كل واحدة منها.
تكمن المعضلة في سؤال رياضي أساسي: هل تظل حلول معادلات نافيير-ستوكس منتظمة دائماً، أم يمكن أن تصل في ظروف معينة إلى نقطة تصبح فيها القيم الرياضية غير محدودة وتظهر حالة تعرف باسم «التفرد»؟
ورغم أن هذه المعادلات تستخدم منذ أكثر من 100 عام في تطبيقات عملية، فإن إثبات السلوك الرياضي الكامل لحلولها ظل من أصعب التحديات التي تواجه علماء الرياضيات.

وتظهر أهمية المشكلة بوضوح في مجال الطيران، فعند تصميم طائرة مقاتلة، يحتاج المهندسون إلى حساب كيفية تحرك الهواء حول الأجنحة والهيكل عند سرعات مختلفة، لتحديد قوى الرفع والسحب والاضطرابات التي يمكن أن تؤثر في أداء الطائرة.
لكن حركة الهواء تصبح أكثر تعقيداً مع ارتفاع السرعة وظهور الاضطرابات، ما يجعل التنبؤ الكامل بسلوكه تحدياً كبيراً، ويدفع المهندسين إلى الاعتماد على نماذج ومحاكاة وهوامش أمان عند تصميم الطائرات.
لم تكن «أوبن إيه آي» الطرف الوحيد الذي يعمل على المشكلة، إذ كان أستاذ الرياضيات بجامعة نيويورك تريستان باكماستر يعمل على المسألة بالتعاون مع الباحث في «أنثروبيك» ليفنت ألبوجي، قبل أن تصل معلومات حول تقدمهما إلى «أوبن إيه آي».
وبحسب المعطيات المتداولة، كثفت الشركة جهودها في الأول من سبتمبر، مستخدمة نهجاً مختلفاً يعتمد على توزيع المهمة على عدد ضخم من وكلاء الذكاء الاصطناعي.
وجهت «أوبن إيه آي» نحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي للعمل بالتوازي، حيث تولت مجموعات مختلفة اختبار فرضيات ومسارات رياضية متعددة بدلاً من الاعتماد على نظام واحد يسلك طريقاً متسلسلاً نحو الحل.
وبعد ذلك، جرى جمع النتائج والأفكار التي توصلت إليها الوكلاء وتحليلها ودمجها للوصول إلى البرهان الرياضي المقترح.
وتوصلت الشركة إلى النتيجة بعد نحو 88 ساعة من بدء المحاولة، وخلال هذه الفترة تبادل الوكلاء نحو 2.7 مليون رسالة واستخدموا قرابة 130 مليار رمز، فيما تراوحت تكلفة العملية بين 10 و40 مليون دولار.
ولم تتوقف العملية عند الوصول إلى النتيجة، إذ خضعت لما يقرب من 17 ساعة من التحقق قبل اعتمادها.
بحسب «أوبن إيه آي»، توصل النظام إلى إثبات إمكانية انتقال حركة مائع من حالة منتظمة إلى حالة يصبح فيها معدل السرعة غير محدود خلال فترة زمنية محددة، مع بقاء الطاقة الكلية محدودة.
وتُعرف هذه الحالة في الرياضيات باسم «التفرد»، وهي نقطة تصبح عندها المعادلات غير قادرة على تقديم وصف منتظم للحركة.
لا تقتصر أهمية النتيجة على حل مسألة رياضية شديدة التعقيد، بل قد تساعد أيضاً في تحديد الحدود التي تستطيع معادلات نافيير-ستوكس من خلالها وصف حركة الموائع بصورة منتظمة، وتحديد الظروف التي يمكن أن تظهر فيها حالات التفرد.
وقد يوفر ذلك أساساً رياضياً يمكن الاستفادة منه مستقبلاً في تطوير نماذج أكثر دقة لمحاكاة الظواهر المرتبطة بحركة الهواء والسوائل، بما يشمل تطبيقات في الطيران والطاقة والتنبؤ بالطقس.
إذا تأكدت النتائج رياضياً بشكل مستقل، فإن أهمية التجربة تتجاوز المسألة نفسها، لأنها تقدم مثالاً على قدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل البحث العلمي من عملية تعتمد على عدد محدود من الباحثين إلى منظومة تضم آلاف الوكلاء القادرين على استكشاف فرضيات متعددة في الوقت نفسه.
وبذلك، لا تكمن أهمية تجربة «أوبن إيه آي» فقط في المسألة التي حاولت حلها، وإنما في الطريقة التي خاضت بها التحدي؛ إذ أصبح الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة أشبه بفريق بحثي ضخم يعمل بالتوازي، وهو نموذج قد يغير مستقبلاً طريقة التعامل مع أكثر المسائل العلمية تعقيداً.




